التابع

0 تعليق 13 ارسل طباعة تبليغ

القاضي سالم روضان الموسوي

(إن الإنسان ضعيف عندما يكون تابعاً)
*جان جاك روسو*

Sponsored Links

إن عبارة (تابع) تعد من العبارات الشائع استعمالها في جميع العلوم التطبيقية والإنسانية، وفي علم القانون نجد لها حضور عند تحديد المسؤولية وتحمل تبعاتها، فضلاً عن دورها في تصنيف الحقوق التي ترد على الملكية، حيث صنف القانون المدني الحقوق إلى حقوق أصلية مثل حق الملكية، وحقوق تبعية مثل حق الرهن، وفي هذه الورقة لا أسعى للبحث في دلالة العبارة أو المصطلح من الوجهة القانونية الصرفة، لأن كتب القانون قد عجت بها وكثر الشرح عنها، إلا إني وجدت من الضرورة الإشارة إلى بيان أثارها القانونية وأثرها على سلوك الفرد حينما نوسمه بـ (التابع) ، حيث وجدت إن مجمل قوانين الوظيفة العامة وقوانين العمل سعت إلى خلق رابطة من التبعية بين الموظف والمسؤول الأعلى في دائرته أو في الوزارة التي يعمل فيها، كما أصبحت العلاقة بين العامل ورب العمل علاقة تبعية وجعلت من العامل (تابع)، وأساس هذه العلاقة هو خضوع التابع الى توجيه ورقابة وسلطة المتبوع ، وهذا الأمر جعل من التابع منفذ لرغبات المتبوع دون أن يكون له دور في التفكير باتجاه تطوير العمل، إلا إذا نال رضا المتبوع، بمعنى إنه قيد على حرية التابع وليس له الاجتهاد والابتكار، بينما نجد من تحرر من عقدة التبعية، كان له دور كبير في توجيه عمله وتطويره، وفي الوظائف العامة عندما يتوفر هامش من الحرية للتابع تظهر إمكانياته وقدراته، وهذه النظرة او العقيدة التشريعية في الوظيفة على وجه الخصوص أساسها ومصدرها ما كان قائما في العصور الغابرة من تغليب سلطة الحاكم على مصالح التابعين وانسحبت هذه العقيدة على مفهوم الوظيفة العامة، لذلك نجد ان بعض الأشخاص ممن يشغلون الوظائف العامة ينقادون إلى رغبات الرئيس الأعلى منفذين غير مفكرين، وهذا الواقع رسخته الأنظمة الشمولية والديكتاتورية ومن شعاراتها (نفذ ثم ناقش) لأنها لا ترغب في من يفكر بحرية، لأن ذلك سينير درب التابع ويتقاطع مع غايات الحاكم، أما وقد تداعت عناوين الوظائف العامة في ظل الظروف التي يمر بها العراق من جراء الحروب التي دخلها وخرج منها خاسراً في كل شيء بما فيها قيمه الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية، باستثناء تنمية روح التبعية لدى العامة فإنها غرست فيهم انحرافاً عن تبعية الموظف إلى الوظيفة وقادته نحو التبعية الى الحاكم والمتسلط بأي عنوان كان، طالما يملك أدوات التسلط ، ولم يقتصر الأمر على الوظائف المدنية وإنما سرى على العمل القضائي حيث جعل من القضاء وظيفة وليس سلطة وبموجب قانون إصلاح النظام القانوني رقم 35 لسنة 1977 المعدل، حيث جاء فيه بان القضاء مستقل في الحسم "وظيفيا" كما أشار إلى أن السلطة واحدة في الدولة ، فمعنى هذا انتفاء فكرة (تعدد السلطات) : التشريعية والتنفيذية والقضائية، والغاية من جعل القضاء وظيفة حتى يتمكن من تسييسه لأن قانون إصلاح النظام القانوني قد أشار إلى ذلك بصراحة عندما نص على الآتي (ضرورة ((تسييس)) الوظيفة العامة لان الموظف يطبق التشريعات وهي اختيارات اقتصادية واجتماعية تحكمها وحدة الرؤيا السياسية للقيادة) ويذكر إن اغلب التشريعات التي صدرت من مجلس قيادة الثورة المنحل قد رسخت هذه النظرة حتى امتد الأمر إلى جعل الطاعة إلى شخص الحاكم وليس إلى سلطة الدولة ، ومن أثار هذه التبعات التي انعكست على العمل القضائي ما يتعلق في بعض قرارات محكمة التمييز الواجبة الإتباع بأن تجعل من القاضي الذي يصدر قرار على وفق اجتهاده ولا يتفق مع الاجتهاد السائر في محكمة التمييز بان يلتزم بإتباع قرار النقض وجوباً حتى لو كان غير مقتنع به وعلى وفق حكم المواد (215 و 216) من قانون المرافعات المدنية رقم 83 لسنة 1969 المعدل، و هذا يقودنا إلى مفهوم التبعية التي تقيد القاضي وتجعل منه منفذاً لا مطبقاً حتى وان كانت في بعض جزيئات العمل القضائي لأنها لا تحيل الدعوى إلى قاضي آخر لإتباع ما تريده الهيئة التمييزية وإنما إلى ذات القاضي ويجبر على إصدار ما لم يقتنع به، وكما أسلفت فان هذه من ثمار النظرة إلى الوظيفة التي وردت من قوانين الرومان والإغريق عبر التشريع الفرنسي، لذلك أرى ان التبعية سواء كانت على مستوى الوظيفة أو على المستوى الاجتماعية فإنها إضعاف للإنسان كما أشار إلى ذلك *جان جاك روسو* بكلمته التي تصدرت عنوان هذه الورقة والتي ضمنها في كتابه الموسوم ( خطاب في أصل التفاوت وفي أسسه بين البشر) وفي الوقت الراهن وجدنا إن التبعية في العمل السياسي تجاوز حد التبعية الوظيفية الفكرية إلى مستوى الاستعباد ويشير *روسو* إلى إن روابط الاستعباد لم تنشأ إلا من تبعية بعض البشر إلى البعض الآخر، ولربما في الأيام القليلة الماضية لاحظنا إن بعض الأشخاص ومهم في موقع المسؤولية السياسية والوظيفية يزعمون إنهم أتباع لنوع معين من الفكر او الأشخاص او الاتجاه، لكن ما قاموا به هو ابعد من التبعية، التي بالأصل تضعفهم، وإنما انحدروا بإضعاف أنفسهم إلى واقع الاستعباد، فأصبحوا يتفنون في إذلال أنفسهم وأمام الملأ، أما فيما يتعلق بعنوان هذه الورقة وأثره على الأداء الوظيفي وهو ذاته ما يطلق عليه الأداء الحكومي، فان وجود هذه التبعية التي انتقلت من تبعية الوظيفة العامة إلى تبعية الرئيس او الزعيم او القائد او الكتلة او أي عنوان أخر، قد اثرت على الناتج المتحصل من ذلك الأداء فانحرف بسيل الأموال والمنافع إلى جيوب من يتبعونهم وليس إلى مصارفها القانونية في خدمة العامة، وقد يعلل البعض بان هؤلاء ليسوا بمخلصين في تبعيتهم إلى زعمائهم وإنما لأنهم منتفعون من هذه التبعية، أنا اتفق مع هذا الرأي لكن ما يحميهم من مساءلة الشعب هو الحماية التي يوفرها من أعلنت له التبعية، وما تلك إلا صورة من صور الاستعباد للأهواء والشهوات المادية، وفي الختام أتمنى أن تنتفض السلطة التشريعية على نفسها وان تتحرر من التبعية وتنتقل إلى حرية الرأي في الاختيار في عملها التشريعي والرقابي وإنتاج قوانين تكرس مبدأ الحرية في العمل والاختيار لان اغلب ما يتعرض له البلد من آفات سببها القوانين والتشريعات التي صدرت في ظل فكرة التبعية وليس الابتكار في الأداء.

------------------------
الخبر : التابع .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : جريدة المدى

0 تعليق