القاعدة الصدرية: الثأر الطبقي وإعادة تعريف الهوية..!

0 تعليق 14 ارسل طباعة تبليغ

فارس كمال نظمي

بعيداً عن سياسات النخب، قريباً من ديناميات الجموع المقهورة، كيف يمكن أن نفهم ونفسر - ودون أن نبرر- ما يحدث اليوم في الشارع الصدري من مواجهة مفتوحة ذات طابع ثأري، بين قواعد التيار الصدري وبين بعض قياداته المتهمة -شعبياً لا قانونياً- بالفساد والإثراء غير المشروع؟
إنها أزمة تتصل جوهرياً بهوية التيار الصدري التي بات يتنازعها قطبان: مملوك ومالك.
فقد ظلّ الطابع العام المميز للحركة الصدرية منذ انبثاقها قبل أكثر من عقدين (أي هويتها في مخيال أتباعها)، طابعاً شعبوياً ذا قطبية طبقية محرومة تتمظهر في إطار مذهبي (المظلومية الشيعية) حيناً، وفي إطار وطنياتي (المظلومية الاجتماعية) حيناً آخر، في مسعى ديناميكي للمحافظة على رأسمالها الاعتباري (أي الهيبة الآدمية للمحرومين) أمام سطوة الاستبداد الشمولي في النظام السابق، وأمام "خيانة" الاسلام السياسي الشيعي لها في النظام الحالي.
وهذا الطابع الطاغي للحركة مارس التعبئة السياسية بعد 2003 في إطارين أساسيين: العسكرة الشعبوية (جيش المهدي ولواء اليوم الموعود وسرايا السلام) تارة، وفي إطار الحراك الاحتجاجي السلمي واسع النطاق بعد أيلول ٢٠١٥ عبر التنسيق مع مدنيين ويساريين تارة أخرى.
إلا أن قطباً آخر أو مراكز أخرى داخل التيار الصدري في الوقت نفسه ظلت منشغلة طوال السنوات الماضية بتوطيد مغانمها المنهوبة من الخزانتين الدولتية والمجتمعية، ما أدى إلى نشوء شريحة زبائنية قوية استوطنت فيه مستفيدة من غطائه السياسي، إذ "أجادت" استثمار الرمز الديني في بورصات الفساد السياسي والمالي، لتحقيق منافعها وأرباحها التي باتت جزءً لا يتجزأ من منظومة الفساد الممسكة بدفة السلطة.
من هنا وجدت الأزمة الحالية طريقها إلى التفجر بين الطرفين المتنازعينِ على هوية التيار التي باتت تعاني من عدم تجانس وظيفي وقيمي حاد، على الرغم من تمركزها حول فكرة دينية آسرة منبثقة من كارزما السيد محمد الصدر ولاحقا ابنه السيد مقتدى.
أليست هي لحظة لانبثاق الصراع المؤجل - المحدود أو الواسع- حول إعادة تعريف الهوية الإجتماعية للتيار، حين تصبح هذه الهوية قابلة للتأويل وحاضنة لكل التناقضات التراتبية الطبقية بين جماعة النخبة المتنعمة وجماعة القاع المهمشة؟
ففي ظل انغلاق بنية النظام السياسي وعجزه عن أي إصلاحات لمواجهة الفساد المُمأسس، وشلل المؤسسات القضائية والتنفيذية عن أي فعل عقابي لإعادة توزيع الثروة حفظاً لموازين السلم المجتمعي، فلا يمكن أن نتوقع أن تتخذ إعادةُ التعريف هذه لدى الصدريين طابعاً تفاوضياً سلمياً أو مواجهة قضائية رسمية أو انشقاقاً تنظيمياً هادئاً، بل كان لا بد لها أن تذهب الى خيار الاستبعاد العنفي والانتقام التفريغي، سعيا لـ" تنقية" الهوية الجماعية واستعادة طابعها الأخلاقي "المتضرر". وهذا الخيار سيبقى قائماً وقابلاً للتكرار حتى لدى جماعات عراقية أخرى وفي سياقات سياسية أخرى مستقبلاً، ما دامت الدولة الرسمية عاجزة عن احتكار العنف العقابي ووسائل استعادة العدالة القانونية.
هي لحظة تنسج زمنها خارج الإطار الدولتي القوانيني، لتسمح لطاقة الحرمان والإحباط والمظلومية أن تمارس فعلها التعويضي لاستعادة "قدسية" الهوية وهيبتها.
والسؤال الأساس الذي يبرز هنا: لماذا أراد السيد مقتدى الصدر لهذه المواجهة أن تندلع اليوم وليس قبل ذلك على الرغم من أن جذورها ومحركاتها ليست جديدة؟
تكمن الإجابة في نمط العلاقة التبادلية التي تجمعه بالقاعدة الشعبية المحرومة. فهي علاقة لا تتيح لأي منهما أن يتصرف – سيكولوجياً- بمعزل عن الآخر، أي أن كليهما يمارس في الآخر تأثيراً مماثلاً في القوة، إذ يتخذ الزعيم قراراته وخططه وخطاباته بتأثير المواقف الضاغطة عليه من الأتباع الذين ينتظرون منه أن يكون ملبياً لتوقعاتهم في استرجاع العدل والكرامة والأمن، ما داموا قد منحوه تفويضاً بالقداسة. إنه يحرك جماهيره لأنها تريده أن يحركها. لكن في النهاية هو من يتبعُ دوافعَها موضوعياً، ليكون زعيمَها ذاتياً، وليس العكس.
فالجماهير الصدرية باتت اليوم اكثر إحباطاً بعد أن كانت تتوقع قطافاً لوعود الصدر الإصلاحية خلال السنوات الثلاثة الماضية التي شهدت حراكاً احتجاجياً عميقاً وصل حد اقتحام المنطقة الخضراء لمرتين وتقديم عشرات الضحايا دون جدوى واضحة. كما إن اعتكاف الصدر لعدة شهور، وتراجع الرصيد السياسي للتيار بسبب خفوت الحراك الاحتجاجي، وتلكؤ مسيرة تحالف "سائرون" وإخفاقه الأدائي وتذبذبه الهوياتي دون تقديم أي مكتسبات بالحد الأدنى للجمهور المترقب للتغيير، قد رفع من درجة الوعي بالحرمان والحيف لدى ذلك الجمهور، وما يرافق ذلك في العادة من سخونة مشاعر الاستياء الناتجة عن المقارنة العقلية بين نخب صدرية تستثمر ملايينها في بناء المولات، وبين مقهورين صدريين يتكدسون في العشوائيات وأحزمة الفقر.
فالسيد مقتدى لم يفعل أكثر من أن يتبع دوافعَ جمهوره قبل أن تتمرد تلك الدوافع في مسارات انشقاقية. فقد استشعر في لحظة احتدام هذا الجمهور، أن الرأسمال الديني/ الاجتماعي لـ "آل الصدر" بات مهدداً ما لم يُعاد الاعتبار لكبرياء الجمهور المحروم في ثأره الطبقي من الشرائح الزبائنية التي أفرزها التيار في مسيرته السياسية المتقلبة بين المعارضة والسلطة. كما استشعر أن هذه الشرائح باتت تعتقد ضمناً أن شرعيتها أقوى من شرعية زعيم التيار نفسه، إذ أن مصالحها الذاتية المتجذرة تمنحها وهماً عقائدياً وحتى أخلاقياً إسمه "الشرعية" تبرر فيه مكاسبها غير القابلة للمساءلة أو الانتقاص.
من هنا لعله ارتأى بأنها اللحظة المناسبة – حتى وإنْ جاءت متأخرة- لإعادة تعريف هوية التيار من جديد، بوصفه حركة اجتماعية/ دينية/ سياسية لتعبئة جمهور المقهورين الصانعين لتلك الهوية، دون أن يتوهم أن تصفية الحساب مع مراكز فساد حالية في تياره – عنفياً أو سلمياً- لن يوفر ضماناً لعدم تكيفها مع موجة المساءلة الحالية، أو لعدم ظهور مراكز أخرى مستقبلاً.

Sponsored Links

------------------------
الخبر : القاعدة الصدرية: الثأر الطبقي وإعادة تعريف الهوية..! .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : جريدة المدى

0 تعليق