فى المقهى .. قصة بقلم : عصام الدين محمد أحمد

0 تعليق 151 ارسل طباعة تبليغ

   يهمهم محمد خافتاً : 
ـ لا جديد البتة. 
يبتسم أحمد .. يقترح لكسر حدة الملل : 
ـ سجل سيرتك. 
يتثاءب محمد : 
ـ توفيق الحكيم يا خي!! 
تشرق أكواب المشاريب .. تتوهج الأبخرة.. يتسلحف الوقت.. يسرد محمود : 
"أسحبها خلفي.. يتهدج جسدانا أسفل نزعات شبقية.. تقر في صلف : 
ـ شقة تعني أسرة : 
أنهرها في حياء مشبوب : 
ـ ما باليد حيلة!! 
تخلع الوشائج الذهبية.. تلقيها أسفل قدمي. 
يعلق العجوز المتاخم لقعدتهم : 
ـ الستر؟! 
يتفرس السقف المتماوج بالنيون.. يتكاسل هزج مرتجف بين الرواد.. تشرئب الأعناق.. يشاركهم الطاولة.. يسعل.. يستأنف : 
ـ الصبر.. 
يدمدم محمود : 
ـ نصائح.. "جتها نيلة اللي عاوزة خلف". 
يصمت العجوز.. يرين علي المقهي سكون متذبذب.. يقتحمه المتسولون.. تتعري أبدانهم إلا من الأنسال.. يرسم العرق خطوطاً متعرجة علي وجوههم.. تقتطع أجسادهم من صخرة شاردة.. جرفها فيضان الفقر.. يزمجر النادل مرتبكاً : 
ـ بره. 
يؤازره زعيق صاحب المقهي : 
ـ كلاب!! 
تهشهم عصي مفتولة.. تشيعهم العيون شزراً.. يعقب العجوز : 
ـ البئر غويط 
يفكر محمود بصوت عال. 
ـ وحوافه زلقة.. 
يستدرك محمد : 
ـ ولكن الحيلة مستهلكة. 
يتفكه أحمد متندراً : 
ـ ينقع أبوالنمنم الحبوب في كوز السبرتو.. ينثرها أمام الأوزة المنتفشة.. يغمي علي الأوزة.. يدعي موتها.. يقنع العجوز بدفنها.. يجردها بعيداً.. يكبسها في الجوال.. يندس داخل رواقه.. تفيق الأوزة.. يبيعها ليتقود. 
تزدرد الأفواه المشروبات.. تلغط الطاولات.. تتماس الأصوات.. تكلس الأدخنة الأجواء.. يستخلص العجوز العبرة : 
ـ تزملني المدينة بردائها.. أحاكيها. 
يستبدل الصبي الفوارغ بأخري ملآنة.. يدنو طفل من كتف محمد العريض.. يرنو إلي وجهه.. يتلعثم : 
ـ ............؟؟ 
يجيب محمد دون أن يتحرك له جفن : 
ـ ............!! 
يبتسر الطفل حروفاً شوكية : 
ـ بريزة؟! 
يدير محمد وجهه.. تترهق الوجوه.. لا يكرر السؤال.. ترف رموشه المطبقة.. تلتهم العيون سطور الصحف.. يبتعد.. يصطبغ الجو كآبة.. يرطب محمد الجو مستظرفا : 
ـ يموت فتحي.. تندبه الأم يوميا علي شاهده : 
ـ وآه.. يا فتحي.. فتحي يا خلق..!! 
يشاهدها العمدة في غدوه ورواحه.. يزهق من مظهرها البهلواني.. يسخر : 
ـ ما بفتحك ياولية؟؟ 
ومن تاريخه شطبت البلدة اسم فتحي من مواليدها. 
يجر الطفل سيدة طاعنة.. ترتدي جلبابا مهيناً.. يتململ محمد في جلسته.. يباغته الطفل بالشزرات.. تتبختر الأجساد - علي الرصيف المقابل - المرتخية تيهاً.. تعزف موسيقي غير واضحة الملامح.. تسح عيناه.. يتبرم العجوز.. يتفلسف أحمد : 
ـ لا شيء في المقهي سوي التوهان. 
يصطخب المقهي.. ينحت العجوز من ذاكرته حكاية : 
ـ "يجف حضن الجبل.. لا زرع نافع.. لا تطرح النخيل سوي "النيرخ".. تهدلت حوائط سيدي "أبوجلبانة".. انثقبت ساحته نقراً.. ياما تمتعت برؤية النسوان وهن تتدمرجن.. ترغب الحبل.. وأزيط مع العيال : 
ـ أبوجلبانه جلنها.. 
ولكن خبر الحارس الشيطان شاع في القري.. أحجمت النساء عن التبرك. 
تتراشق الأفواه بالكلمات.. يرتعش الجالسون.. تنشب المعارك.. يتطاير الزجاج فتيتاً.. يحاول النادل هزراً فض الاشتباكات.. لا أحد يستجيب أو يلحظ.. تتساقط حافظات النقود.. يلملم النادل أوراق النقد.. تتلاكم أرجل المقاعد الخشبية.. يفر ثلاثتهم من المقهي كالمطاردين. 
يتوسل العجوز إليهم : 
ـ والحساب؟؟ 
يتهكم محمد : 
ـ في العمر بقية قد تكفي.

 

Sponsored Links

0 تعليق