من فرط الحنين سماح عادل

0 تعليق 443 ارسل طباعة تبليغ
عبرت من ماكينة المترو بضجر، ففي هذا الوقت يزداد الزحام، فكرت أن تركب عربة السيدات لكنها لم تستطع الوصول، فضلت أن تلتحق بأول مترو تجده، حتى تذهب لصديقتها، فقد تأخرت عن موعدها نصف ساعة، حشرت نفسها في أول عربة تستطيع دخولها، صفوف مبعثرة من البشر، نظرت لأسفل حتى لا تلتقي عيونها بعيون الغرباء، الذين يحملقون دوما، ملت من النظر لأسفل مع نفاذ الهواء، رفعت رأسها لتتلقي دفعة هواء من الفتحة التي في سقف المترو، تنفست بعمق، أدارت رأسها عندما أحست أن رجلا قريبا منها يتأملها، نظرت في اتجاه اليمين لتتحاشى النظر إليه، نظرت لصفوف الرجال الجالسين، رأته، ينظر لأسفل، يقرأ في كتاب، هل هو سهيل بالفعل؟ ..ظلت تنظر إلى أن رفع رأسه للحظة ناظرا أمامه ثم عاد ينظر في كتابه، بالفعل إنه هو، ربما مع بعض آثار الزمن لكنه بالتأكيد هو، لم تتوقع أن تقابله أبدا. دوما ما كانت تسأل نفسها إذا قابلته مصادفة في الشارع ترى ماذا ستفعل.؟، وامتنت للقدر لأنه رحمها من مواجهة هذا الموقف طوال الخمسة عشر عاما الماضية، في الواقع هي نفسها كانت تتحاشى مقابلته، امتنعت تماما عن الذهاب إلى الأماكن التي يرتادها، وقاطعت جميع الأصدقاء المشتركين بينهما، ثم بعد أن نست الأمر قابلته مصادفة. لازال هادئا كما هو، رفعت يدها بحركة لا إرادية لترتب الشعرات الهاربة ونظرت في زجاج المترو، سخطت على نفسها لأنها لم تهتم بملابسها، ارتدت أقرب بلوزة وسروال وانتعلت حذاء مصنوع من القماش، هي في الواقع لا تهتم بملابسها إلا في مناسبات استثنائية، ولا تهتم بترتيب شعرها أو وضع مكياجا أو حلي، فقط قرط من الفضة عندما يعتدل مزاجها، وأحيانا تضع كحلا وتلون شفاهها، اليوم لم تفعل شيء سوى ارتداء قرط من الفضة، وضعته في آخر لحظة ولا تعلم لماذا، لكنها لم تضع أحمر شفاه في حقيبتها أو قلم كحل ولا حتى مرآة، فكرت أنها حتى لو كانت حملتهم في حقيبتها ما نفعهم الآن؟، كثيرا ما تلوم نفسها على عدم الاهتمام بمظهرها، فقط حينما توضع في مواقف تتمنى فيها أن تكون أجمل. مدت يدها ونزعت ربطة شعرها، فقد كان ملموما في شكل ذيل حصان، فردته بيديها محاولة ألا تلفت انتباه من حولها، لازال مبللا، فهي أيضا تترك شعرها على طبيعته ولا تجففه بأي شيء بعد الاستحمام، تمنت أن يجف سريعا ويتلوى في شكل تجعيدات لطيفة، لكنها عادت وتمنت أن تجيء محطتها سريعا قبل أن ينتبه سهيل لوجودها، أخذت تختلس النظر إليه حتى لا يشعر بوقع نظراتها على وجهه، لم يزد وزنه كثيرا، دوما ما كان يهتم بجسده، ولا يستسلم لنهم الطعام، على عكسها فالنهم بالنسبة لها أحد العلاجات الهامة لإحباطاتها. حين تأكدت أنه هو انتفض قلبها وظل يدق بشكل عنيف، وحتى الآن لازالت دقاته غريبة، ربما من المفاجأة، لا تريد أن تفسر خفقان قلبها تفسيرا آخر، مرت سنوات طويلة حتى أنها نسيت وجوده، هي الآن تقاوم اندفاع الذكريات وتقاوم خفقان القلب الموجع وتفشل في وقف الاثنين. *** أول مرة رأته كان على مقهي في وسط البلد، مقهى اعتادت الجلوس عليه يوميا هي وأصدقائها، كانت تنتظر الأصدقاء حينما أتى وجلس في مواجهتها، ملامحه هادئة، وابتسامته لطيفة هكذا كان انطباعها الأول عنه، سمرة بشرتة لطيفة بلون الشيكولاتة بالحليب، ورموشه طويلة وشعره به تجعيده محببة، تفحصته، لا تعلم لماذا فعلت ذلك، غالبا هي تتفحص من حولها عندما تكون منتظرة أحدا، الرجال والنساء، تشغل نفسها بالحملقة في الآخرين لكنه أعجبها بمعنى ما، أحست أنه وسيم وهدوءه ساحر، أخذت تسخر في ذهنها من الحب من أول نظرة وتخيلت نفسها وقد وقعت في غرامه. ثم حولت عينيها عندما انتبه لحملقتها فيه، تشاغلت بتأمل أناس آخرين وعندما نظرت إليه مجددا وجدته ينظر إليها دق قلبها بغرابة -كما يفعل الآن- سخرت من انتفاضة قلبها مذكرة نفسها أنها لم تعد مراهقة تنفعل لأي اقتراب ذكوري، فقد بلغت الرابعة والعشرين من عمرها، جاء أصدقائها وتجاهلته تعمدا. في اليوم التالي وجدته يجلس في نفس المنضدة، لم تنظر إليه رغم ملاحظتها لابتسامة على شفتيه التي بلون الشيكولاتة ، جاء أصدقائها وتصادف أن أحدهم يعرفه، دعاه للجلوس معهم، عادت الانتفاضة إلى قلبها، أخذ يتبادل الحديث مع الجميع وحاول محادثتها لكنها افتعلت انشغالا بحديث آخر مع صديقة، تجنبت الحديث معه يومها، لكنه في اليوم التالي اندفع للجلوس على منضدتها دون دعوة منها وكانت وحدها فأصدقاءها لم يكونوا قد أتوا بعد. أخذ يحدثها في هدوء وهي صامتة، فقط تهز رأسها لتظهر أنها مهتمة، قالت بعض الكلمات القليلة لأن لزاما عليها ذلك، لكنها لم تشأ الحديث حتى لا تتلعثم بحضوره، في البيت لم تفهم استمرار دقات قلبها، واستحضار نبرات صوته الهادئة والواثقة، ونظرات عينيه المهتمة. في اليوم التالي كان يجلس بجوارها وسط الأصدقاء ويتعامل كأنه يعرفها منذ زمن، هدوءه هو ما يسحرها فهي عكسه تماما توتر يقف على قدمين، وبحضوره تشعر أن توترها يتبدد وتلفها ثقته المريبة باطمئنان، الحب بالنسبة لها أن تطمئن وتنزع توترها بمهل. هو أيضا يهتم بها، تشعر بذلك من نظراته، قد تتوهم ذلك... لا تعرف، يجلس معها وأصدقائها يوميا ويتحين أية فرصة للحديث والتعرف أكثر عليها، في أحد الأيام طلب منها أن يجلسا في مقهى آخر، وافقت دون كلمات، أدخلها مقهى أكثر هدوءا، تدور به موسيقى ناعمة وأخذ يحدثها طويلا وهي تستمع، تهدهدها نبرات صوته الهادئة. مشيا سويا في الميدان الواسع بتواطؤ ما، لم يعترف حتى الآن أنه يشعر نحوها بشيء لكنه يقترب ببطء وروية، تستلم في حضوره لإيقاعه البطيء، رغم أن هذا في السابق كان يصيبها بالجنون، فهي سريعة الإيقاع وصاخبة. مع الأيام باح بمشاعره بعذوبة، لم تفهم ما يعجبه فيها، لما انجذب إليها من الأساس، فبينهما اختلافات كثيرة في السلوك والطباع ، استسلمت لخدر اقترابه وتركته يفرحها كما يشاء، عرفها على أصدقاءه معلنا أنها حبيبته، أصبحا يقضيان وقتهما معا، اقتربا كثيرا حتى أنهما كانا كطفلين يلعبان، يفعلان كل شيء سويا. علمها كيف تحس بالحياة بمهل، ترتشف لذة العيش دون تعجل أو تشوش، أن تحدد ماذا تريد، ولا تتخبط في خيارات متناقضة كما كانت تفعل من قبله، رسما سويا أحلاما لهما، وأصبحا يخططان لتفاصيل مشتركة كثيرة، كتب لابد من قراءتها، مهارات يتعلمونها سويا، أعمال ينجزونها، كان هو في بداية عمله كصحفي وكان يشاركها أفكاره وخططه، مع الوقت أصبحت الأشياء التي يفعلونها معا كثيرة، حتى أنهم خططا للانجاب واختارا أسماء الأطفال . قررا أن يتزوجا، عاشا معا في شقة متواضعة لأنهما أجبرا الأهل على القبول بزواج يخلو من طقوس الزواج المعتادة، انضاف إحساسها بامتلاكه إلى عشقها له،كان الزواج مدخلها لهذا الإحساس، كانا ينامان ساعات قليلة حتى يقضيان أكبر قدر من يومهما معا، يذهبان إلى السوق سويا لشراء الطعام، يطبخانه في المطبخ الصغير، يختاران معا كل شيء، بدءا من الأكواب وحتى الكتب التي سيقرءانها أول مرة يلمسها عرفت معنى أن تستكين، عرفت أن توترها لا يستطيع التواجد في حضوره، وأنه يتلاشي ليحل محله هدوءا ناعما لم تشعر به من قبل، سكينة تتخلل ذراتها وتعطي لملامحها عذوبة ولجسدها خفة طيف. في الوقت الذي تشتد فيه متاعب الحياة عليهما يحتضنها ويبكيان كطفلين تاها فجأة في شارع مزدحم، وفي وقت آخر يحتضنها ليقرئا سويا كتابا، تقرأ هي مرة بصوت عالي وهو يسمعها، ثم يقرأ هو وتغمض عينيها، وفي وقت يذهب معها لشراء الأقراط وقد يختار لها حليا أخرى ويرتبهم لها على التسريحة، حين يغيب في عمل أو بصحبة أصدقاءه تشعر بوحشة، تظل تنتظره بلهفة إلى أن تسمع دقات أصابعه على الباب، تفتحه وتحتضنه لتستعيد الأمان، ينظم فوضاها، يلملم أشياءها المبعثرة وينظف ما راكمته من أوساخ، وأحيانا عندما تمرض يقوم بكل الأعمال، ويطعمها بيديه. كانا في بداية حياتهما العملية، يعيشان على مسئوليتهما الكاملة، لأنهما أغضبا الأهل بزواج سريع وغير مرضي عنه، طرد من عمله، بسبب تعسف مديره، فالقطاع الخاص لا تحكمه قواعد أو قوانين توفر الأمن للعاملين به، ولا توجد أعمال بالقطاع الحكومي وإن وجدت فهي توفر إما برشوة او بوساطة. كانت هي تعمل أعمال هامشية لأنها لم تجد فرصة عمل مناسبة، اضطروا إلى ترك بيتهما بسبب تعثرهما في دفع الإيجار، فقد كان قانون الإيجار الجديد في بداية ظهوره، واضطرا إلى أن يرجع كل منهما إلى العيش مع أهله لحين تحسن الظروف، بدأت المشاجرات تتزايد بينهما، هي تشعر أنه لا يقوم بمسئوليته على النحو الصحيح، وهو يشعر أن الزواج كان خطوة متسرعة منه، ومسئولية أكبر من تحمله، وحرضه أهله على تركها، في حين كان أهلها يتحاملون عليه لأنه لا يستطيع تحمل مسئولية زواجه منها، زادت الضغوط وكانت مقابلاتهم مليئة بالغضب والانفعال، وكانا غالبا ما يتقابلان دون علم أهليهما، أخذت أمه تغريه ووعدته أن توفر له أموالا كثيرة ليقوم بعمل مشروع يختاره، على أن يهجر ياسمين، تردد أمام إغراءات أمه وفكر في أن يتحايل عليها ويطلقها أمام أهله على أن يظلا معا في علاقة سرية. كرهت ياسمين الأمر واعتبرته تخلي منه، لكنها لم تستطع تركه مع ذلك، استجابت لخطته لكنها وجدت نفسها وحيدة، فكرت أنه كان لابد أن يتمسك بها ويبدي تشبثا أكبر أمام أهله، وأوجعها أن تكون معه في علاقة سرية بعد أن كانا متزوجين أمام الجميع، هددته أكثر من مرة أنها ستتركه، ثم تعود بعد ذلك لأنها تشعر أنها لن تستطيع الاستغناء عنه. من جانبه ظل مستسلما لانفعالاتها المتخبطة، وكان يتعامل معها بنفس هدوءه، لكن صخبها أفلت من سجنه، ولم يعد سهيل يمنحها هدوءها الناعم، واستعادت توترها المرضي الذي أثقل عليه وأرقه. أصبح يهرب من انفعالاتها أكثر، وهي تزداد كل يوم في سخطها، وتهدده في نوبات غضبها أنها ستنتقم منه، بات يشك في أنها قد تفعل ذلك فعلا، جعله الشك يتعذب، وظل يرتاب في كل ما تفعله، ويمطرها بأسئلة كثيرة حول تحركاتها وحول أصدقائها وفي النهاية اختار أن يبتعد عنها. حينما شعرت بابتعاده زاد جنونها، ألحت عليه في العودة كما كان، قالت له أنها سامحته على ما فعل لأنها لا تستطيع تركه، عادا لكن شيئا ما كان قد فقد بينهما، كانت الفجوة تزيد أكثر من جانبه، ويشعر أنها تزعجه، ثم حسم الأمر نهائيا وهجرها. وقتها كانت تتراوح ما بين الغضب والاستكانة، المسامحة والرغبة في الانتقام، لكي يقطع عليها خط الرجعة تزوج بفتاة أخرى، ظلت سنوات تتعذب، تحاول أن تمسك بخطئها ولا تستطيع، تعيد معايشة كل حياتهم معا لتعرف كيف فقدته لكنها لا تفهم، مرة تظن أنه خذلها وتخلى عنها، ومرة تظن أن نزقها وتهورها هو ما أرقه، ومرة تستريح لفكرة أنها كانت شابة وبلا خبرة، ولم تستطع أن تتعامل مع الأمر بحكمة، لكن تفسيراتها المتعددة للأمر لم تزل الغصة من قلبها. لم تستطع عمل علاقة حب سوية، كان شبحه يتواجد دوما، لم تعد تعرف كيف تشعر برجل، وكانت تؤكد لنفسها دوما أنها لن تتوحد مع آخر، مثلما توحدت معه فهما كانا روحا واحدة. *** شعر بنظرات تتأمله فنظر ليجدها هى ياسمين ، نظر للكتاب بشكل عفوي إلى أن استوعب عقله الأمر، نظر مرة أخرى لها ، إنها هى ياسمين وقد أكسبها الزمن نضجا أنثويا عذبا، أصبحت لا تنظر إليه الآن، وتوترت كعادتها حتى أنها تمسك حقيبتها بعصبية، وتلمس شعرها، ربما لأنها لا تعرف ما يجب عليها أن تفعل، نظرت إلى باب المترو، وكأنها تستعد للنزول في المحطة القادمة، قام مسرعا دون تفكير متحركا بصعوبة وسط الزحام، وضع يديه على ذراعها ليمنعها من الهروب قبل أن يقترب. - ياسمين. - سهيل مش معقول إزيك. - أنا فرحان إني شوفتك. - ربنا يخليك. - إنتي كنت نازلة المحطة الجاية؟. - آه... لا .. أنا نازلة وسط البلد. - كويس أنا كمان نازل وسط البلد, يبقى ننزل سوا. - أصل أنا عندي ميعاد مع واحدة صاحبتي.. ومتأخرة عليها ساعة. - طيب نشرب حاجة مع بعض. - لأ مش هاينفع علشان عندي ميعاد شغل مهم ... بعديها... ظل سهيل ممسكا بذراعها إلى أن إنتبه فتركه ونظر لأسفل، ثم أحس أنها قد ترحل فجأة عندما يفتح باب المترو، فأمسك بذراعها باءصرار. - شعرك زي ما هو ما اتغيرش. أمسكت شعرها بحركة لا إرادية، وابتسمت في توتر. - فعلا؟. أكيد شعري بس اللي زي ما هو؟. - لا إنتي كمان زي ما إنتي. - آه بس زايدة يجي 35كيلو. قالت بسخرية فشلت في أن تخفف من توترها. - فعلا ولا خدت بالي. - إنت أخبارك إيه والأولاد.. ومامتهم؟. - الحمد لله. نزلا معا لوسط البلد، أصر على أن يذهبا معا ليشربا شيئا، وطلب منها أن تعتذر لصديقتها عن الموعد، رفضت، متعللة بأشياء كثيرة عليها إنجازها، أمسكها من ذراعها في هدوء وسارا في طريق المقهي، ذلك المقهي الذي جلسا فيه أول مرة وحدهما، بموسيقاه الناعمة وهدوءه. - وحشتيني. ابتسمت ولم تقل شيئا خوفا من التلعثم اللعين، أخبرها أنه منفصل عن زوجته منذ بضع سنوات، وأنه يعيش بمفرده في نفس المكان الذي حلما سويا بأن يسكنا فيه، عندما كانا يعيشان معا، ذاب قلبها من فرط الحنين عندما أشار لحياتهما المشتركة، كانت قد توقفت عن الحنين منذ زمن، طردته في مكان بعيد داخل اللاوعي، عندما أعياها ذلك الحنين وفقدت أية ذرة أمل في أن يكون لها، خاصة مع إنجابه أطفالا من زوجته اللعينة، مع ذلك لم تفكر في أن تتزوج مرة أخرى، كانت تتخبط في علاقات قصيرة ولم تفرحها فكرة أن تتزوج بأحد، لم تقل له ذلك ولم تشأ إخباره بأي شيء عن حياتها بعد رحيله، فضلت أن تتركه محتارا لا يعرف كيف تسير حياتها بدونه. - لسه عينيكي حلوين زي ما هما. - أنا فعلا لازم أمشي فعلا شغلي هايتلخبط. - ما تهربيش مني أنا ولا خططت أشوفك، ولا كنت عارف إني ممكن ألاقيكي.. بس بما إني لقيتك يبقى جنون مني إني أسيبك تروحي. - إنت أصلا ولا تعرف عني حاجة، ولا اهتميت تلاقيني زي ما بتقول.. أنا ها مشي كده أحسن صدقني، أنا مش اللي إنت عرفتها زمان. - طب تعالي نسكت وبس ونشرب في هدوء، ونبص لبعض مش عايز غير إني أبصلك . أحست كأنها عادت بالزمن خمسة عشر عاما كأنها تجلس معه لأول مرة وحدهما، وتترقب ماذا سيقول، وكيف ستنظر عيونه المهتمة لها، حتى الآن لا تعلم ما جذبه فيها؟، ولماذا تعجبه من الأساس، امرأة تهمل في شكلها الخارجي، بانت عليها ملامح الزمن أكثر منه وتضخمت في حجمها. - تعرف أنا عمري ما عرفت إنت حبتني ليه؟.. دا إذا كنت حبتني أساسا. - فعلا.. مع إنك سألتيني السؤال ده ولا ألف مرة..حبيتك علشان لقيت روحي في روحك... تعرفي إني فضلت أدور عليكي في كل واحدة عرفتها بعد كده.. ولا عمري لقيتك، لحد ما بطلت أدور، قلت لنفسي هي جواك ساكنة وبقيت متونس بيكي جوايا. - إنت ما دورتش عليا.. لأنك لو دورت كنت هاتلاقيني بسهولة. - يمكن.. بس أنا حبيت أحتفظ بصورتك جوايا من غير تفاصيل اللى حصل ما بيننا ، أنا كنت غبى ده أكيد، بس لما شفتك النهاردة كل حاجة اتبخرت.. إلا حنيني ليكي وحبي، عمري ما عرفت أعمل الحاجات اللي كنا بنعملها سوا مع أى حد تانى..... صمتت لم تكن تريد سوى أن تصمت في حضوره، مثلما كانت تفعل في البداية، تستعيد هدوءها الناعم الذي منحه لها، وتقص سنين الوحدة من دونه، ترجع لشبابها بآلة زمن سحرية تجعلها تسافر داخل زمنها الخاص، تعود شابة فى منتصف العشرينات وقتما كانت معه. اصطحبها معه إلى بيته، أطفأ الأنوار إلا من ضوء خافت لشمعة شاحبة واحتضنها وظلا يبكيان، كأنهما طفلين وجدا بعضهما وسط الزحام، عندما لمسها اشتعل الحنين داخلها, تذكرت كل تلك الليالي التي كانت تنام فيها موجوعة القلب لأنه ليس معها، وكل الحقد الذي شعرت به نحوه ونحو زوجته، تذكرت كيف أفقدها الأمان، وجعلها تتخيل سيناريوهات كثيرة لحياتهما معا إذا كانت قد استمرت. خافت أكثر أن تستسلم، أن تعود مجنونة بعشقه وتسلم كل دفاعاتها، فهي لم تعشق أحد سواه طوال حياتها، كان نقطة ضعفها الوحيدة. خمن هو خوفها من الاستسلام، وعرف أنها تقاوم حنينها، كأن حاجزا يمنع روحها من أن تصفو، وتندمج في روحه، ظل يحادثها بنبره هادئه ، أغمضت عينيها واستسلمت للذة الاستماع إليه، وتواصلت مع إحساسها القديم بالخدر عند سماع صوته، هدأت واستسلمت لفرط الحنين.

0 تعليق