الـقـنــاصـة -عاطف عطيت الله

0 تعليق 117 ارسل طباعة تبليغ

 

 

Sponsored Links

لم تزل عينا أمه مثبتة.. محدقة في صورة أبيه ذات الإطار المحطم،المرتكنة إلى جوار شبه حائط ..  منذ أيام قلائل كان يحيا بينهم، لكنه اختفى!... 

  وقف أمام النافذة القديمة.. تأمل أسياخها الحديدية المتآكلة.. مشاهد بعينها ــ من الماضي البعيد ــ تطفو على سطح الذاكرة.. كانوا ثلاثة، هو، وهى،وبسام ، قبل أن تستقر بمؤخرة رأسه إحدى الرصاصات الطائشة!...

كانوا يتسابقون في جمع النسرين*.. يروون ما تبقى من الحنون* بحاكورة الدار*.. يتقاذفون بحبات الدراق*... ثم بأيديهم الصغيرة، وبأصابعهم الرقيقة يتشبثون، ويطبقون على تلك الأسياخ؛ محاولينالصعود.. غير أن أحدا منهم لا يستطيع!.. يجرون بعد ذلك، وضحكاتهم البريئة تكاد    تغطي خوفهم المكتوم، حتى...

حينذاك.. لم تكن أمه تريد منهم شيئا، فقط عليهم البقاء بجوار الدار، ولا يبتعدون، وعندما يصك آذانهم قصف المدافع، ويرعبهم صفير القذائف، وخشخشة السلاح، يجرون من أقدام كبيرة، أو هكذا كانت. أقدام كثيرة تدوس، وتطحن كل شيء أمامها!... تبتلعهم سحب الدخان الترابية القاتمة، يفتحون أعينهم على اتساعها.. يحاولون الرؤية.. لكنهم لا يستطيعون!.. الشعلات النارية المتوهجة المتطايرة في كل الاتجاهات تشق العتمة، يتحسسون بعضهم.. يرتمون كتلة واحدة فوق الأرض، فإلى أين يفرون، وهم لا يرون شيئا، وقد خالفوا الوصية!. حتى هيكل البيت الذي صار بعيدا، تعجز أبصارهم البكر عن رؤيته!..

  وبينما يتقوون على شبح الخوف بأجسادهم المتلاصقة، وقد اختلطت أنفاسهم المتقطعة، تضمهم أذرع أكبر، فيعرفون أنها أمه...

تخطفهم من جوف الدخان هاربة ــ بهم ــ إلى البيت. تضمهم إليها بقوة، تحتويهم، وبأبصارهم الزائغة ــ بعد ذلك ــ يستطيعون رؤية أبيه حين يدخل ممزق الثياب، غارقا في عرقه، ويستند بظهره إلى الباب الهزيل لاهثا...

انطفأت صورة الماضي، وعاد إلى نفسه وقت أن نادته أمه، راجية منه أن يتوخى الحذر.. كل الحذر؛ فهي لم تعد تملك سواه!..

شارك ــ كالعادة ــ في حمل الأحجار إلى العربة، ثم حمل ما استطاع حمله منها، وجرى.. ينظر  إلى وجوههم الكالحة، القبيحة، بعيونها التي يلمع فيها الخبث، وتملأها الشماتة، فيعرفهم.. يعرفهم كلهم ــ رغم تشابه ملامحهم، وقسماتهم المتشفية التي تخطها شريعة الغاب! ــ فهذا قتل أباه، وجعل من ابن عمه طعاما لكلبه... وذلك حطم أشجاره، وخنق قطته، و...!!

عند عودته ــ في تلك المرة ــ لم يجد البيت.. لم يجد أمه، أو صورة أبيه.. بحث كثيرا، لكنه لم يجد شيئا، فقد كان كل شيء كما لو لم يكن!!.. حبس دمعه، لملم نفسه، وأسرع إلى بيتها...تاه بصره بين الجثث، والأشلاء.. وأخيرا.. يائسا وقف يتأملها ( كانت ملقاة على الأرض تروي بدمها مساحة صغيرة من أرض كبيرة عطشى!!).. ضمها إلى صدره.. انسالت دموعه ممزوجة بدمها.. صرخ.. تماسك.. حمل ما استطاع حمله من الأحجار، وجرى سابا، لاعنا كل الأنظمة، وكل القوانين، وكل من يجلسون وراء المكاتب، والمنصات يهتفون بمكبرات الأصوات دون أن تصل إليهم ألسنة النيران، وسحابات الدخان.. دون أن يعرفوا حتى معنى الخوف من رصاصات مهما  كانت عشوائية، أو طائشة..  لكنها لابد تجد هدفها!!...

كان يدرك جيدا أنه مكشوف كصيد سهل.. غير أنه لم يهتم، ففي تلك المرة أيضا كان الأمر مختلفا، وقاسيا، وشيء ما احتل عينيه، وأنفاسه، وضربات قلبهــ ربما ــ  ينذر ببداية النهاية.. فالآن لم تعد هناك حاجة لأشباح الجدران، أو الأطلال..

الآن لن يقذف من وراء حجاب.. لن يقذف، ويختبئ.. لن يتوارى.. لن...

  في تلك المرة كانوا كثيرين.. يحتمون بعرباتهم الضخمة المصفَّحة.. لم يخف، أو يتراجع لائذابساتر، أو طلل... كان يوقن أن أحجاره لم تصبهم، ولن تقتلهم إذا ما... 

لم يتبق معه سوى حجر واحد... اختنق صوته، وضاع ما خرج منه  وسط  أصوات الطائرات، والمجنزرات، والقنابل، وطلقات النار المستمرة، وهو يصرخ: جبناء!.. جبناء!.. لن أهابكم.. لن أخافكم!...

الأحجار تحت قدميه كثيرة، لكنه أراد أن ينقض عليه بقبضتيه، علّ ذلك يخمد براكين غضبه وثورته!!.. رآه.. كان متحصنا بخوذته، وسترته المضادة للرصاص، وعربته المدرعة، وبجواره أكثر من سلاح..مذعورا التقط أكثر من سلاح،وأشار بيده إشارة خاطفة لمجموعة ملثمة لا تفارقه.. أشار إشارته، واختفى وراء مدرَّعته...

    ظل يركض نحوهم غير عابئ ببنادقهم الموجهة إليه.. يواصل صراخه ساخطا: لن تخرجوا إلىَّ وجها لوجه يا عفن الأرض، فأنا أعرفكم.. أعرفكم أجبنالجبناء!!...

  كان يرى فوهات بنادقهم التي تقصده، لكنه لم يتوقف، أو يتراجع!...

 وفجأة، دفعت مؤخرات بنادقهم بصدورهم إلى الوراء.. أراد أن يتقدم إليهم أكثر.. أن يواصل ركضه.. أن يصرخ.. أن يرمي بحجر.. أن...  لكنه!!...     

 

 

 

ــ تمت ــ

 

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* النسرين: زهور بيضاء اللون.

* الحنون: شقائق النعمان.

* حاكورة الدار: أرض بجوار الدور تخصص للزراعة .

* الدُّرَّاق: الخوخ.

 

 

 

0 تعليق