لماذا لم يقتنع المواطن قناعة تامة بأن الحرب على الكورونا هي حربه ومن اجله؟

0 تعليق 43 ارسل طباعة تبليغ

إن بلادنا تخوض حربا شرسة ضد ، ما في ذلك شك. وعندما يبكي وزير الصحة خلال ندوة صحفية ( ندوة مشتركة  مع وزير الداخلية لتقديم آخر المستجدات حول الفيروس ) فإن ذلك نابع من الاحساس بالوطنية والخوف على تونس وعلى التونسيين ما في ذلك شك. والدولة تبذل مجهودات كبيرة،ما في ذلك شك. لكن مع ذلك مازلنا لم نجد الاجابة الشافية عن سؤال لماذا لم يشعر المواطن ولم يقتنع قناعة تامة بأن الحرب على الكورونا هي حربه بالذات ومن اجله؟

فالكل يجزم اليوم بأن الحرب على الفيروس لا يمكن أن نكسبها إلا إذا قام كل طرف بما هو مطلوب منه وتحمل مسؤوليته. فالدولة مطالبة من جهتها بأن توفر كل متطلبات الحرب من عتاد وامكانيات لوجستية، والاعلام مطالب بتبليغ المعلومة الدقيقة والصحيحة، والمواطن مطالب بالامتثال للقرارات وللاجراءات الوقائية.

Sponsored Links

 لكن ان بدا  أن الدولة تخوض هذه الحرب بعزم وفي حدود امكانياتها، وهناك على الاقل ارادة في كسبها، وإن حاول الاعلام مواكبة هذه الحرب بأكثر ما يمكن من النجاعة  وبالامكانيات المتاحة كذلك، لا سيما في ظل الصعوبات التي تواجهها العديد من وسائل الاعلام اليوم ، فإن المواطن أظهر الكثير من التململ في هذه الحرب وهو لم ينخرط فيها بعد بالشكل المطلوب.

فهو، أن أردنا أن نوضح أكثر لم يظهر حماسة في أن يقوم بذلك الدور الذي عادة ما يلتزم به غير حاملي السلاح في الحروب التقليدية وهو حماية الجيوش من الخلف بالامتثال للتوصيات والقرارات في الخطة الحربية.

المسألة تدعو حتما إلى التأمل والتمعن كثيرا. وعلينا أن نعترف أن هناك اسباب من بينها ما هو موضوعي جعل المواطن لا يبدو أنه يعتبر أن هذه الحرب هي حربه بالذات وأن الجيوش التي تتكون أساسا من الاطارات الصحية ومن مختلف الاسلاك التي ظلت تعمل في هذا الظرف الصحي الخطير لتأمين القوت وتوفير الامن للمواطنين، إنما هي متجندة لحمايته. 

فنحن بطبيعة الحال لا نتصور أن المواطنين، إنما  يخرقون الحجر الصحي الشامل الذي فرضته الدولة وألحت على أنه ضروري لكسب الحرب على الفيروس والحت، أي الدولة  على انه جاء استجابة لتوصيات اللجان الطبية المختصة، نكاية في نفسه أو  شماتة في هذا البلد وفي الدولة. فالأمور هي بالتأكيد أعمق من ذلك بكثير ومنها ما هو واضح ومنها ما ينبغي أن نبحث فيه بتمعن أكبر.

ونحن إذ نطرح السؤال، فإننا نسعى إلى تقديم بعض العناصر والمؤشرات التي لا نقول أنها قد تقدم اجابة كافية حول الصعوبات التي تواجهها الدولة في اقناع الناس بالتزام بيوتهم في هذه الفترة رغم أن كل المؤشرات تقول أن الحجر الصحي الشامل والعام هو الحل الوحيد تقريبا للانتصار على فيروس كورونا، وإنما يمكن أن نفسر بعض الشيء هذا الموقف الذي قد يبدو للكثيرين غريبا وحتى مثيرا للغضب، حتى أن بعضهم لا يكف عن حث السلط عبر وسائل التواصل الاجتماعي على استعمال الغلظة والردع وحتى القمع ضد مخالفي قرار الحجر الصحي. وعندما نقول أننا نحاول ان نفسر فإن ذلك بغاية الرغبة في الفهم لا بغاية التفهم خلافا لما قد يبدو للبعض.

أولا، إن الدولة لم تجد بعد الوصفة السحرية في خطابها الرسمي الذي يجعل كل مواطن يستمع إلى هذا الخطاب سواء جاء على لسان رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة أو أي وزير من الذين هم في الواجهة أو على الجبهة مباشرة في محاربة الكورونا ونقصد بالخصوص وزير الصحة العمومية، في هذا الظرف الصحي الصعب، الذي وضعهم في الواجهة، يعتبر أنه (الخطاب) موجه له ويعنيه مباشرة.

عموميات وخطاب تعويمي

فنحن مازلنا في منطقة العموميات ومازال الخطاب تعويميا ويتيح لكل شخص  أن يتنصل من المسؤولية ويجزم بانه غير معني بالأمر.  وبطبيعة الحال، فإننا مادمنا لم نبلغ مرحلة يشعر فيها كل طرف بالمسؤولية من تلقاء نفسه ويعرف جيدا ما له وما عليه، فإننا لن نستطيع أن نجزم بشيء بخصوص نتائج الحرب على الكورونا، فيمكن ان تنصفنا الاقدار ويمكن أن ننجو عن طريق الصدفة، ويمكن كذلك أن نخرج من هذه الحرب باضرار كبيرة.

ثانيا، إن مسألة الوعي هي مسألة نسبية جدا. فالذين يخرقون الحجر الصحي، هم ليسوا دائما وبالضرورة من الفئة التي يتفق على أن وعيها قليل. وإنما كثيرون من المتعلمين ومن الواعين لا يلتزمون في بيوتهم ويخرقون الحجر الذاتي، والدليل  على  ذلك أن وزير الداخلية نبه في الندوة الصحفية المشتركة مع وزير الصحة، أن الدولة ستطبق القانون على الجميع، وعلى أي كان ومهما كان.

وعندما يصر على عدم استثناء أي كان، فإننا نستنتج أن كل فئات المجتمع معنية وأن هناك من يسعى ربما لاستغلال صفته أو موقعه للتملص من القرارات أو لتبرير عدم التزامه. وبالتالي علينا أن ننسّب احكامنا فيما يتعلق بمسألة الوعي ونشير إلى أنهم  ليسوا وحدهم أولئك الذين يتزاحمون أمام مكاتب البريد في العاصمة وفي الجهات أو امام المعتمديات والمدارس والمعاهد التي يتم فيها تجميع المساعدات، للانتفاع بمنح للدولة أو الحصول على مساعدات غذائية وغيرها لديهم مشكلة مع الوعي، وإنما كثيرون من الفئات المرفهة والمحظوظة هي بدورها غير واعية وتعبر عن ذلك بمختلف الطرق، من بينها مثلا اعتبار نفسها فوق القانون وعدم تطبيق الحجر الصحي الالزامي.

ثالثا، من الواضح أن الدولة التونسية ربما قد تناست أو تجاهلت في خضم الحماس، ما ضيعته في سنين، لا سيما في السنوات الأخيرة وخاصة  منها  الهيبة والثقة. فهي تتوقع من المواطن على ما يبدو امتثالا سهلا وتطبيقا للقوانين وللاجراءات بدون تردد وبدون تململ كما يحدث عادة في الدول التي تحترم فيها الدولة لانها تبني علاقة ثقة متبادلة مع المواطنين.

الحاجة إلى استرجاع الهيبة والثقة المفقودتين  

فالدولة وللتذكير أضاعت هيبتها في السنوات الأخيرة بعد أن خسرت معاركها مع جل التكتلات واللوبيات واصحاب المصالح، وبعد أن تاهت السلط في متاهة النظام الجديد والدستور الجديد الذي  عدد الرؤوس في السلطة وجعلها تنشغل بحرب الصلاحيات بدل التفرغ لإدارة الدولة ولخدمة المواطنين. وهي اليوم بالتأكيد في حاجة إلى استرجاع هذه الثقة واستعادة الهيبة، حتى تخوض الحرب بنجاعة أكبر.

لسنا بصدد تبرير أي شيء ونحن نعتبر أن كسر الحجر الصحي وخرقه امر غير مقبول، لكننا في نفس الوقت نذكر بأنه كان على دولتنا أن تتوقع أن تجد صعوبات كبيرة في اقناع المواطن بأن يذعن لها ولو كان لصالحه. ولاجل ذلك بالذات، قلنا أنه كان من الضروري تغيير الخطاب الموجه للمواطنين تغيير جذريا، واستبدال الخطاب الحالي بآخر يكون أكثر دقة وأكثر وضوح  واقل تردد.

نقول ذلك، دون أن نخوض بطبيعة الحال في الأخطاء التي وقع اقترافها في إدارة الأزمة على مستوى الدولة، ومن بينها، طريقة تسليم الإعانات إلى المواطنين التي تحولت إلى كارثة، بعد ان جعلت الناس تتزاحم من أجلها غير عابئة أصلا بالمخاطر التي يمكن أن تنجر عن ذلك، ودون أن نخوض في الكثير من الاسئلة العالقة ومن بينها فرض الحجر عل الناس بدون تلقي اجوبة حول كيفية تجاوز ازمة البطالة وغلق المؤسسات وتضييع اسباب الرزق، وغيرها...

إن الدولة التونسية تخوض اليوم حربا حقيقية ضد وباء الكورونا، وواضح أنها تريد من المواطن أن يكون شريكا فاعلا في هذه الحرب. وبالتالي، إن  كل النداءات موجهة اليوم إلى المواطن الذي تتم دعوته بكل الآساليب بما فيها البكاء، والاستعطاف، إلى المشاركة الفعلية في الحرب.

ولا نخال أن أيا كان يحبذ ألاّ يلبي المواطن النداء، فالحرب مع الفيروس هي في النهاية هي حرب بقاء، لكن يقع على عاتق الدولة وبحكم الخيبات المتتالية في علاقة بأدائها الضعيف أو الفاشل في الفترة الأخيرة بالذات التي تجدد فيها الحلم بعد سقوط الديكتاتورية، أن   تستنبط على الاقل اسلوبا أكثر نجاعة في التخاطب مع المواطن، أي  أسلوبا يقوم على الوضوح التام و لا يترك أي سؤال  معلقا بلا اجابة ولا أي فراغ من شأنه أن  يبرر التملص من المسؤولية. إنه يقوم على عاتقها اليوم وهي التي لا يمكنها كسب الحرب بدون استعادة هيبتها وثقة المواطن، أن يكون أداءها وخطابها يدل  على ارادة في جعل  الكل يشعرون  أنهم ضمن الخطة الحربية وانهم من  الفاعلين فيها فعلا وليس مجرد مفعول بهم. وهذه في حد ذاتها معركة كبرى.

حياة السايب

------------------------
الخبر : لماذا لم يقتنع المواطن قناعة تامة بأن الحرب على الكورونا هي حربه ومن اجله؟ .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : الصباح التونسية

0 تعليق