راجي أسعد خبير أسواق العمل: استخدام التكنولوجيا يعيد هيكلة سوق العمل (حوار)

0 تعليق 19 ارسل طباعة تبليغ

اشترك لتصلك أخبار الاقتصاد

راجى أسعد الأستاذ فى جامعة «مينسوتا» الأمريكية والخبير الدولى فى أسواق العمل، والمشرف على مسح سوق العمل التتبعى الذى يقوم به الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، تحدث إلى «المصرى اليوم» عن تأثير التكنولوجيا على العمالة منخفضة أو عالية المهارات والقطاعات الأكثر عرضة للتأثر سلبا، ونتائج عمليات إعادة الهيكلة التى تتم لأسواق العمل فى مصر والعالم، وتغير معنى البطالة فى الواقع الجديد، ودور منظمة العمل الدولية فى ظل تزايد الأعمال المتقلبة، وفرص المرأة مع التكنولوجيا، وهل تستمر «الواسطة» أم لا وغير ذلك من قضايا مهمة.

Sponsored Links

■ ما هى الصورة العامة لتأثير التطور التكنولوجى على سوق العمل فى بلادنا؟

- طبقا للإمكانيات التى تتمتع بها تكنولوجيا المعلومات، فإن عدد الوظائف المعتمده على التكنولوجيا فى مصر محدود، رغم أن معظم الخدمات التى يعملون عليها قابلة للتصدير، بما يضمن استمرار تلك العمالة، أما بقية العمالة فلا تزال على حالها التقليدى.

■ أين موقعنا بالضبط فى مجال تطور تكنولوجيا المعلومات؟

- صناعة تكنولوجيا المعلومات واعدة جدًا خاصة إذا استطعنا الدخول فى سلسلة القيمة العالمية، هناك أكثر من تصنيف للدول حسب تنافسيتها فى هذا المجال، ومصر تصنيفها مرتفع جدًا فى مؤشرات كل من التكلفة والموقع والموارد البشرية، وفى أحد التصنيفات (مؤشر إيه تى كيرنى) نحن رقم 12 بصفة عامة، ورقم 1 فى التكلفة، و21 للموارد البشرية، وبين 51- 55 فى بيئة الأعمال، والأخيرة هى نقطة ضعفنا، فالمستثمر يريد أن يحصل على خدمات بمستوى عالمى، خدمات من نوع خدمة عملاء.. حسابات.. أعمال موارد بشرية بدلا من القيام بتلك الخدمة فى بلده أو فى موقع آخر، وأكثر البلاد نجاحا فى جذب المستثمرين فى هذا الحقل هم الهند والفلبين وجنوب إفريقيا، ومصر كما أوضحت لها موقع جيد وتسبق دولا مثل المغرب.

■ هل هذا يعنى أن تطوير تقديم خدمات إلكترونية للغير فى دولة يمكن أن يضيع فرصا على دولة أخرى؟

- نعم، وهذا ما يتم فحصه فى ملف تأثير التكنولوجيا على سوق العمل، التكنولوجيا بقدر ما يمكن أن تضر أنماطا من العمالة التقليدية، فإنها تعطى فرصا جيدة جدا للتوظيف وتوليد القيمة المضافة، وخاصة فى الخدمات القابلة للتصدير، فالشركة تبحث عن أفضل آلية لتقديم الخدمة وبأقل سعر، ومن هنا يقرر أن ينفذها فى بلده أو عبر التعهيد إلى أماكن أخرى، مع مصريين أو غيرهم، فى أمريكا حين تتحدث إلى خدمة العملاء بإحدى الشركات يرد عليك موظف من الفلبين.

■ ما الذى تقترحه لضمان الفوز بحصة من التشغيل فى هذا المجال؟

- على الجهات الحكومية التحرك سريعًا، لجذب المستثمر وتوفير بيئة عمل مناسبة لإقامة لنشر خدمات «كول سنتر» من خلال التعاون بين وزارتى الاتصالات والاستثمار، وهذا يتطلب توفير إنترنت بسرعات كبيرة، وعمالة مؤهلة، لديها قدرات التحدث بأكثر من لغة، علينا أن نخوض السباق الدولى فى هذا المجال لان خسارته تمثل ضياع فرص عمل للشباب سواء داخل مصر أو خارجها، وقد يفاجأ البعض أن الهند تخطط للاعتماد على تقدمها فى هذا المجال أكثر من تقدمها فى الصادرات السلعية لكن التكلفة فى الهند بالمناسبة أعلى من مصر.

■ أى القطاعات فى مصر الأكثر تضررًا من الرقمنة والتحول التكنولوجى؟

- بالتأكيد القطاعات كثيفة العمالة، فلو تمت مثلًا ميكنة الأعمال فى قطاعات مثل الإنشاءات والعقارات، ستوثر سلبًا على العمالة، أيضا فى مجالات الزراعة، أغلب عمليات التصدير تتم من مزارع كبيرة تعتمد على التكنولوجيا المتطورة أكثر من العمالة البشرية، وللأسف البدائل محدودة دائما أمام من يتم الاستغناء عنهم.

■ فى رأيك ما هى الطبقات الاجتماعية الأكثر تضررا أيضا جراء التغير التكنولوجى؟

- الطبقة المتوسطة هى الأكثر تضررا، ومنذ فترة تعانى هذه الطبقة بعد وقف التعيين الحكومى، والقطاع العام، وقد كان هذان مجالين واسعين لصناعة طبقة متوسطة عبر التوظيف الواسع وتقبل مهارات ليست عالية فى المجمل، ظهر هذا بوضوح فى مسوح العمل، حيث تقل نسبة العمالة الرسمية بسبب توقف التعيين الحكومى من جانب، ومن جانب آخر أن القطاع الخاص الرسمى يركز على الطبقة العليا، وهو أيضا لا يقدم تعيينا رسميا، أى عمل دون تأمينات.

■ هل إقامة كليات للذكاء الاصطناعى يمكن أن تعطى فرصة جديدة للطبقة المتوسطة؟

- هذه الكليات بدأت تنتشر فى العالم ويجد خريجها فرصا أكبر فى التوظيف الحكومى، تلبية للاحتياجات الجديدة مع التحول نحو رقمنة الخدمات الحكومية، كما يجد فرصا افضل فى القطاع الخاص، لكن هذه الكليات تؤهل خريجها لفتح مجالات أوسع لبدء العمل الشخصى، بمعنى أنه يوجد عددا ضخما من التطبيقات حاليا يمكن من خلالها أن يعرض شخص أو مؤسسة ما يطلبه من عمل، وفى المقابل يستقبل تلك الطلبات من يملكون المهارة، ويتفق الطرفان على العمل وتوقيت البدء والتسلم والأجر. وهو ما يطلق عليهم حاليا «أوبريزيشن» العمل بطريقة تطبيقات النقل الذكى «أوبر»، ولكن معضلة هذا النوع من الأعمال هى كيفية إيجاد نظم حماية اجتماعية وصحية للقائم عليه، لأنه قد يعمل وقتا ولا يعمل آخر، قد يعمل ليلا ولا يعمل نهارا وهكذا.

■ وكيف يتم حل تلك المعضلة؟

- السائد فى مصر هو توفير الحماية لمن لديه عمل رسمى فقط، ولهذا لا بد من تغيير المنظومة لتشمل أنماط عمل أخرى جديدة، فى أوروبا التأمين الصحى حق لكل مواطن، فى أمريكا مرتبط بالعمل، لكن هناك نموذج مهم فى السويد وهى بلد تقدم خدمات كثيرة كحق مواطنة، لكن لديها مرونة قوية جدا فى سوق العمل مع ضرائب مرتفعة على الدخول، وفى كل الحالات أنماط العمل الجديدة هذه تستوجب حسابات احتمالية- أى اكتوارية- مختلفة تتعامل مع معضلة التأمينات فى ظل ظروف عمل تمتد لساعات متقطعة ومتقلبة، طبعا العمل بالطريقة الجديدة يؤثر على الضرائب واشتراكات التأمينات وتسعيره، فالوظائف الجديدة يتم العمل فيها بالساعة أو بالدقيقة أحيانا وهكذا.

■ إذا كانت الشهادات قد تراجعت قيمتها فلماذا يقبل علية القوم فى أمريكا على دفع رشاوى ليحصل أبناؤهم على شهادات من جامعات كبيرة؟

- شراء الشهادات فى أمريكا يتم فى جامعات ذائعة الصيت، بهدف الحصول على ميزة فى سوق العمل، لكن مع الممارسات، سرعان ما يتم اكتشاف نقص خبرات اهل الواسطة عند الاحتكاك بسوق العمل، وحتى اذا لم يتم ذلك عبر مجاملات التعيين فإن المشكلة محدودة فى النهاية ولا يمكن أن نستنج منها أن الشهادات دون مهارات ستفيد أصحابها فى المستقبل.

■ فى الخارج يتحدثون عن «تدمير» الوظائف بسبب التكنولوجيا ما الوصف المناسب عندنا؟

- سوق العمل لدينا تعانى مشكلة لأن معظم العمل يتم فى سوق غير رسمى لا علاقة له بضرائب أو تأمينات، فى الدول الخارجية يناقشون هذا الأمر بسبب المخاوف من فقدان الكثير من الوظائف ويدور حوار عالمى لتحديد حد أدنى للدخل لكل العاملين على مستوى وطنى أو عالمى، والفكرة هناك تتضمن استعادة المبالغ التى يتم دفعها- كدخل أدنى- عبر نظام ضريبى معقد عند العمل، لكن فى مصر أرى أن يتم تحديد حد أدنى من الدخل لمن يحتاج على غرار تكافل وكرامة كما أن عمل شهادة ادخار مع تأمين للعمالة المهمشة فى مصر فكرة جيدة يجب البناء عليها.

■ هل يتأثر الأكاديمى مثلك بالتكنولوجيا؟

- ليس لدىّ سكرتيرة لتساعدنى من 20 سنة لأن هذا العمل اختفى لكن يمكن الاستعانة بمقدم خدمة فرد من وقت إلى آخر؛ كما يمكن أن تستعين المؤسسة- الجامعة- بمقدم خدمة يقوم بحسابات معينة للجامعة.

ولكن سوق العمل تحتاج إلى مهارات كثيرة وليس التكنولوجيا فقط مثل الاتصال، وهناك مجالات منها التحليل والتدريس والكتابة مازالت موجودة ولكنها ستختفى أيضا. والخلاصة أن كل ما يتم بطريقة روتينية سيختفى، مثلا لن تستغنى الصحيفة عن المحرر الواعد لكن فى الطريق إلى المطبعة قد تحل التكنولوجيا محل كثيرين.

■ هل مسوح سوق العمل المصرية تظهر شيئا من هذا؟

- المسوح تتعرض لأسئلة مثل هل يحتاج عملك إلى كمبيوتر، إلى إنترنت سريع، محمول لكنها أسئلة غير متعمقة فيما يتعلق بتأثير التكنولوجيا على الوظائف ويتم مسح سوق العمل بمصر كل ست سنوات. سيتم إعلان نتائج المسح الأخير (مسح 2018) فى أكتوبر المقبل ونحن نتيح البيانات عبر بوابة منتدى البحوث لتفيد الباحثين.

■ وهل ستغير التكنولوجيا دور منظمة العمل الدولية أو العربية؟

- عملهما الأساسى هو ضمان توفر حد أدنى من شروط العمل اللائق، العمل الذى يقدم حماية اجتماعية ومعه حد أدنى للأجور والحق فى التفاوض على ظروف وشروط العمل، فى مصر المعضلة كبيرة فيما يخص اللائق. يكفى أن أقول إن 48% من الوظائف فى القطاع الخاص المصرى، عمل خارج المنشآت بلا اى نوع من الحماية أو الامان، هؤلاء غير العمالة غير الرسمية داخل المنشآت نفسها.

■ وما الذى يمكن أن يقدمه التدريب للتخفيف من آثار تدمير الوظائف؟

- التدريب لا بد أن يلبى طلبا، حاليا تمنح الحكومة تمويلا لمراكز التدريب دون مساءلة جدية عن مستوى المخرجات، وأنا أقترح أن تمول الحكومة الطلب على التدريب نفسه بمعنى أن تقدم التمويل لأصحاب الشركات وتحاسبهم على من تم تعيينهم بعد التدريب وبعد أن يتم التأمين عليهم. ويمكن منح الشباب شيئا مثل كوبون يتدرب فيه على الوظيفة المطلوبة فى أى مركز تدريب معتمد ومصدق عليه وبهذا تتنافس المراكز. وأصحاب الشركات لديهم معرفة بالاحتياجات الفعلية كما هو الحال فى ألمانيا كلها.

■ وهل سيعاد تعريف البطالة؟

- لا. لكن لا بد من تحديد معايير أخرى لقياس جدية العمل فحاليا من يعمل لمدة ساعة واحدة فى الأسبوع فهو «مشتغل». إذًا لا بد من معرفة عدد ساعات العمل ومن يعمل اقل من المحدد فنعرف عن أسباب هذا... هل لان الشخص لم يرغب أم لم يجد؟ ونحتاج أيضا النظر إلى دخل العمل. أيضا معدل البطالة لا يقيس جودة سوق.. وكما نعرف فالفقير ليس لديه ترف ألا يعمل بينما الأسر الميسورة يكون لدى أبنائها فرصة الانتظار إلى أن يجدوا العمل المناسب بينما هو بهذا الشكل يعد متعطلا.

■ وهل تخدم التكنولوجيا المرأة أم تضرها؟

- فى معظم الدول العربية فاق عدد الخريجات الخريجين ومصر فى الطريق إلى ذلك وفى اعتقادى أن تطور التكنولوجيا وأداء العمل من المنزل من خلالها سيتيح للسيدات فرصا كبيرة للعمل بدون حاجة إلى الخروج والمواصلات والبهدلة، وعموما كلما كان العمل بالمخ وليس العضلات كان ذلك أكثر فائدة للمرأة.

■ ما القطاع الأسرع والأبطأ فى الأتمتة؟

- الأسرع فى التحول إلى الاستخدام المكثف للتكنولوجيا هو القطاع المالى وأنا مثلا لم أعد أذهب إلى البنك مطلقا والمفارقة هنا أن من يتم الاستغناء عنهم هم عمالة مصنفة على أنها عالية المهارات وهذا يدل على أن التكنولوجيا تعيد هيكلة سوق العمل، ولا يمكن اختصار تأثيرها فى أنها تهدد قليلى المهارات وحدهم. فى المقابل فإن أتمتة قطاع التجارة فى مصر سيكون له أثر سلبى كبير جدا- لو حدثت- على أعداد هائلة من العمالة، ومن خبرة واقعية فى مصر فإن تقديم حوافز محسوبة يشجع الناس البسيطة على تعلم مهارات جدية والتكيف مع المتغيرات وتحويل عملهم إلى آخر.

■ أخيرا هل تلغى الأتمتة الواسطة؟

- إلى حد بعيد سننتقل من الواسطة إلى الوسيط فأوبر مثلا مجرد وسيط، والتطبيق الذى يتيح خدمات مختلفة مثل توصيل الطعام إلى البيوت أو إنشاء صفحات إلكترونية أو تسويق الفطير المشلتت أو سمك البردويل، كلها وسائط وفيها عمالة مختلفة ويترتب على عملها إتاحة فرص عمل للراغبين.

------------------------
الخبر : راجي أسعد خبير أسواق العمل: استخدام التكنولوجيا يعيد هيكلة سوق العمل (حوار) .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : المصرى اليوم

0 تعليق