د/ رضا عطية يكتب: فى عيد ميلاده.. أحمد عبد المعطى حجازى أيقونة الحداثة الشعرية

0 تعليق 61 ارسل طباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

يبقى الدور الريادى للشاعر المصرى العلامة أحمد عبد المعطى حجازى، الذى نحتفل بعيد ميلاده الخامس والثمانين (5- يونيو- 1935)، محفوظًا فى تاريخ الشعر العربى بوصفه أحد مجددى القصيدة العربية، ومن أبرز المساهمين فى العبور بها إلى عهد الحداثة الشعرية. تأتى قيمة أحمد عبد المعطى حجازى الثمينة فى النقلة النوعية التى أحدثها فى القصيدة المصرية والعربية فى الموضوع الذى عبر عنه فى خطاباته عن تحديات الواقع الاجتماعى وتكويناته وحياة الإنسان فيه بين الانتماء له والاغتراب عنه، مثلما عبّر عن علاقة الإنسان القلقة بالمدينة، وطرحه الإشكاليات الوجودية الكبرى التى تشاغل الذات كقضايا الحياة والموت، والزمن، كما حازت قضايا الهوية والقومية العربية حيزًا واضحًا، فامتزج الواقعى عند حجازى بالفلسفى فى نص شعرى متقن البناء، تبدو لغته مصفاة، وتصل وسائله التعبيرية إلى مركز الدلالة من أقصر الطرق وأيسرها، بلا غموض أو تعقيد لغوى من ناحية، فلم يسلك كما لجأ عدد من شعراء الحداثة وما بعدها إلى التغريب اللغوى، مع اتسامها بالعمق الدلالى والكثافة الرمزية من ناحية أخرى.

Sponsored Links

فى الخطاب الشعرى لأحمد عبد المعطى حجازى عندما تتمثل الذات العالم وعلاقة الشعر به تعى بأنّ ثمة إشكالية ما، كما فى قصيدة «حلم ليلة فارغة»: (أيتها المقاعد الصامتة/ ما زلت صامتة!/ ما زالت الكتبْ/ تلاً على الرفوف، قاحلاً بلا زهورْ!/ العالم الجميل فيها، كومةٌ من السطورْ!/ الليل فيها، ميتٌ بلا شعورْ!/ لكننا نقطعه بها/ وعندما نملّها، تأتى الطيور فى المنامْ/ هامسةَ.. غدَا غدَا!/ لكن صبحًا ينقضى، ويقبل المساءْ/ ولا ندى/ ولا لقاء!). يبدو الوعى بالعالم عند حجازى مأزومًا، حيث تحس الذات بجمود العالم الذى تريد استنطاقه، حتى المعرفة الممثلة والمدونة فى الكتب تبدو منقوصة، ومفتقدة للجمال الحقيقى، وما تنقلها من العالم الجميل مجرد أداءات خطية يعوزها حيوية الشعور، فالذات تريد عالمًا يوتوبيًّا فى الفن والواقع، فتحمل قصيدة حجازى نقدًا للعالم الموضوعى ونقدًا آخر لكتابة هذا العالم ونقله عبر الفن والإبداع، لما تشعر به من انفصامية واضحة وجمود بالغ فى التمثيل الجمالى للوجود، وهو ما يلجأ الذات إلى اللواذ بالحلم وعوالم الرؤيا، حيث مسرح اللاوعى وفضاء الحلم الذى هو تجل وتنفيس لمكبوتات اللاشعور، وتبدو الطيور الهامسة فى المنام تمثيلاً رمزيًّا للروح الوثابة التى تحمل تطلعًا إلى المستقبل القريب الذى لا تدركه الذات التى تبدو فى انتظار زمن يوتوبى لا يجىء. احتلت علاقة الذات بالمدينة فى مقابل الريف مساحة وافية من خطابات حجازى الشعرية الأولى، كما فى قصيدته «الرحلة إلى الريف من ديوانه الثانى أوراس: (يا موطنى القديمْ/ نسيمك الحاملُ قطعانَ الغيومْ/ فيه من الغروبِ والشتاءِ والنباتْ/ العبقُ الوسنانُ والأحزانْ/ والذكرياتْ/ عند المسيلِ يذكرون أن إبراهيم ماتْ/ وهذه الصفصافةُ الدائمةُ النواحْ/ تسكنها الأرواحْ/ لكل شىءٍ ها هنا تاريخْ/ كل مكانٍ أسبل الجفنَ على زمانْ/ وههنا/ كل مكانٍ يعرفُ الإنسانْ!). يمثِّل الريف بالنسبة للذات فى شعر حجازى المكان المركزى والموطن الأول، هو الملاذ من الإحساس بالاغتراب فى المدينة. فثمة شعور بإنسانية المكان الريفى وحميميته للإنسان، وهو ما تجلى فى تصوير المكان فى علاقته بالزمان: (كل مكانٍ أسبل الجفنَ على زمانْ) فالمكان هو عين تحتوى الزمان. كذلك يحمل الريف وسوم الطبيعة النقية البكر، ما تتبدى آثاره فى تداعيات الصور الريفية على المخيلة وعبر الذاكرة، وتتشكل الصور وفق منظور ريفى خالص، كما فى (نسيمك الحاملُ قطعانَ الغيومْ) فتبدو الصورة «قطعان الغيوم» من مخيال رعوى، وكأنّه يتمثَّل، ضمنًا، السماء مرعى، والغيوم قطعان من الماشية فى فضائها، فى تشكيل سوريالى للصورة يعمل على إعادة تركيب عناصر العلاقات بين المكونات الوجودية.

حمل حجازى على عاتقه هموم التنوير وانحاز لقضاياه، سواء فى إنتاجه النثرى، كمقالاته الصحافية، أو الشعرى الذى بدا حاضرًا بقوة فى ديوانه الأخير، حتى الآن، طلل الوقت، كما فى قصيدته «الساعة الخامسة مساءً» التى نظمها حول محاولة اغتيال أحد المتطرفين لنجيب محفوظ: (كانت الساعة الخامسَةْ/ والمدينةُ مهجورةٌ/ ما عدا رجلا طاعنًا فى الثمانينَ،/ ليس له أن يغيبِ،/ ولا أن يموتَ/ يواصل تجوالَهُ فى شوارعِها البائسَةْ!/ كانت الساعة الخامسَةْ/ هبطتْ غيمةٌ من غبارٍ كثيفٍ،/ وندَّتْ على غفلةٍ صرخةٌ يائِسَةْ/ كانت الساعة الخامسَةْ/ أنفذ الوحشُ فى عنقِ الشيخِ مُدْيَتَه،/ ومضى عاويًا/ يتشمم ريحَ فريستهِ/ ويعضُّ بأنيابه الضارسَةْ!). يبدو من عنوان القصيدة «الساعة الخامسة مساء» أنّه إشارة إلى توقيت محاولة اغتيال أحد الإرهابيين المتطرفين لنجيب محفوظ، وكذلك هى موعد التحول نحو الغروب بما يوازى التحول الفكرى الذى أصاب المدينة أو المجتمع بأفول وهجه التنويرى وحلول سحب التطرف والمد الظلامى، أما الأوصاف المكانية لمسرح الجريمة أو الاعتداء الإرهابى، حيث المدينة مهجورة بما يشى بالخواء الفكرى وغياب الفاعلية الإنسانية فى ظل هيمنة قوى التطرف على عقل المجتمع، وتبدو الأجواء الغائمة معبِّرة عن حال المدينة وضبابية الرؤية فيها بعد تمكُّن الرجعية منها، كما تبرز الرؤية الشعرية وضعية الكاتب «نجيب محفوظ»، الذى يواصل تجواله فى شوارع المدينة البائسة بما يرمز إلى مواصلة المثقف والمبدع رسالته نحو مجتمعه الذى ينتمى إليه حتى فى أصعب الأحوال وأحلك الأجواء. كما يوظف النص الحجازى الموسيقى فى القافية المعتمدة حرف السين التى من حروف الهمس الصفيرى رويًّا متبوعًا بهاء للوصل كما فى: (الخامسة/ البائسة/ يائسة/ الضارسة) تمثيلاً لسكون المدينة وخمولها ووهنها الفكرى ما أفسح المجال لقوى الشر والإرهاب للتخريب والعبث فى أجوائها.

  • الوضع في مصر

  • اصابات

    27,536

  • تعافي

    6,827

  • وفيات

    1,052

------------------------
الخبر : د/ رضا عطية يكتب: فى عيد ميلاده.. أحمد عبد المعطى حجازى أيقونة الحداثة الشعرية .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : المصرى اليوم

0 تعليق