إلى السيدة وزيرة الثقافة.. أين تراث أنور عبدالملك؟ (2/2)

0 تعليق 40 ارسل طباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

هناك مساحاتٌ كبيرة مفقودةً في حياة المفكر الكبير الراحل د.أنور عبدالملك. لا يعرف أحدٌ عنها الكثير. فقد كان الرجل ناصرياً حتى النخاع، ودارت بينه وبين جمال عبدالناصر أكثر من محادثة مباشرة، كما أخبرني بنفسه، رحمه الله، تُرى.. ماذا كان فحوى هذه المكالمات؟ وماذا طلب منه عبدالناصر؟ وكيف استجاب أنور عبدالملك؟ كما أنه كان من أشرس المعارضين لاتفاقية كامب ديفيد، ورأى أن «المسار السياسي الذي جسّدته كان أقلَ كثيراً من الانتصار العسكري المبهر الذي حققته مصر في السادس من أكتوبر 1973»، غير أنه استمرَّ يكتب في «الأهرام» المعروفة بأنها الجريدة الرسمية للدولة والتي تتبنى خطها السياسي، وكثيراً ما كان يكلمني عن فكرة «المعارضة من الداخل»، أن تكون في قلب النظام، فاعلاً ومؤثراً فيه وتحاول أن تقوم بتغييره من داخله، وأنه يحاول أن يفعل ذلك مع مجموعةٍ من المفكرين وكُتّاب الرأي.. وكنت أرى ذلك بعيداً وتحقيقه ليس باليسير.

Sponsored Links

الأمر الثاني لكل من سيقرأ سيرة وحياة أنور عبدالملك أن هناك «عقداً كاملاً»، عشر سنواتٍ من حياته في الغرب لا يظهر فيها نشاطه الفكري أو السياسي بالسطوع والوفرة الإنتاجية التي يعرفها عنه الجميع.. فما سر هذه السنوات العشر (أذكر أنها كانت في فترة الثمانينيات).. ولماذا كان الرجل فيها مختفياً تقريباً عن الحياة العامة والعمل الأكاديمي؟ أين كان وبمَ كان مهتماً في هذه الفترة؟

سرد العالِم الراحل عليَّ أنه يوم استكتبه جريدة «الأهرام»، تلقّى اتصالاً من محمد حسنين هيكل يطلب منه «إعادة الالتفات إلى تاريخه، وتحسس خطوته قبل أن يُقدم على الكتابة إلى الأهرام! وأن يُفكر جيداً» وقال لي إن هذا الاتصال- غير المتوقّع- مازال يمثل له مصدر حيرة، حتى بعدما وصل إلى الثمانين من عمره.. لماذا حاول هيكل إثناءه عن الكتابة للأهرام؟ (لقد عمل عبدالملك في إحدى الفترات مساعداً علمياً لهيكل في بدايات عمله الفكري والصحافي.. وهذا كان مكتوباً حتى في سيرته الذاتية)، غير أن العلاقة بينهما بعد ذلك لم تكن في أفضل حالاتها.

ذات يومٍ دخلت على الدكتور أنور غرفة مكتبه، ووجدته يقف ساهماً شارداً أمام مكتبته، فتراجعت ببطء وخفة عائداً إلى الخارج، فما كان منه إلا أن استوقفني (وهو مازال مولياً ظهره لي يتأمل مكتبته)، وقال لي: «لماذا تريد الخروج.. تعال!». ظللتُ واقفاً مكاني، مندهشاً من حسه المرهف.. وكونه شعر بوجودي رغم هدوء المكان. التفت لي، ورأيت على وجهه علامات الحزن. سألته عما به. جلس على مكتبه وقال لي وهو يشير إلى المكتبة «لقد ظللت أعمل على مسودات لمشروع فكري عن الاستشراق، وكان ذلك في ستينيات القرن (بعد مقاله المُدوّي الذي نشره في مجلة ديوجين»الاستشراق في أزمة«عام 1963»، وقد ظلّ يجمّع مادةً علميةً بمختف اللغات ومن مصادرها الأصلية، واشتغل على عشرات المقالات وترجم كثيراً من الأعمال، والتقى مستشرقين ذائعين في مختلف عواصم أوروبا، ليجمِع مادة هذا العمل الموسوعي الضخم حتى انتهى من تخطيطه (وكان يفترض أن يصدر على أجزاء لوفرة المادة التي جمعها له سنواتٍ طويلة). قلت متحمساً: هذا جهد هائل، لماذا لم تكمله؟ وهل هناك مجال لإصدار هذا العمل الآن؟ فنظر لي مبتسماً بمرارة.. وقال حزيناً: (لقد سُرقت كل مسوّدات هذا العمل- تحديداً دون غيرها- من مكتبتي هذه)! سألته مصدوماً: كيف حدث هذا؟ ومن تظن أنه فعل ذلك؟ فقال لي«إن هذا المنزل الذي تراه هادئاً الآن ولا يمر عليه زائرٌ، كان خلية نحل في يومٍ من الأيام، ويجتمع فيه سفراء ووزراء ومفكرون وباحثون من أنحاء العالم، ورواد الحركة الحزبية والفكر اليساري، وكُتاب وأساتذة جامعيون، سنوات طويلة وهذه المكتبة يطلع عليها مئات المفكرين والأكاديميين من العالم كله)..

قلت له: ولكن إدوارد سعيد- مثلاً- أصدر كتابه المؤسس عن «الاستشراق» في 1978، كان يمكنك أن تسبقه في هذا الميدان، خاصةً أنكما تربطكما صداقةٌ وثيقةٌ وهو يعترف بأنه يدين لك بالفضل في هذا المضمار.. وأعتقد أنكما كنتما تلتقيان ويزور أحدكما الآخر سواء في باربس أو هنا!

ضيّق الدكتور أنور من عينيه وهو ينظر لي وصمت طويلاً ناظراً لي بتمعن شديد.. قبل أن يقول«يدين بالفضل إلى أي حد؟ ولأي مدى من المساعدة قدمتها له»؟

لم أعلّق. فلم أعرف حقيقةً ماذا كان يقصد.. ولكنه كان حزيناً للغاية.

أين اختفت مسودات مشروع «الاستشراق» الذي عمل عليه أنور عبدالملك لسنوات طويلة؟ من الذي سرق الأبحاث التي اشتغل عليها- سرقها من بيته في شارع نهرو بمصر الجديدة – كما أخبرني بنفسه؟

ولماذا كان الرجل الذي جاب نصف العالم وعمل من الصين إلى إسبانيا، وجامعة الدول العربية، والمنظمة الدولية لعلم الاجتماع بباريس، والسوربون والقاهرة وكيوتو باليابان.. لماذا كان ممنوعاً من دخول الولايات المتحدة؟

أسرارٌ كثيرةٌ وكبيرةٌ في حياةِ هذا العالم الراحل الجليل، كان يفترض أن تصدر في مذكراته التي بدأ تسجيلها صوتياً عبر شرائط «الكاسيت» في منزله، ولم أعرف مصيرها بعد رحيله، وأين ذهبت هذه «الصناديق السوداء» الصغيرة، بين أعمال كثيرة مخطوطة ومسودات وأوراق مقالات لم تنشر بعد ولم يكتب لها الظهور؟

إنني آمل أن تتحرك وزارة الثقافة المصرية للبحث عن التراث الفكري المفقود لأنور عبدالملك، باعتباره ثروةً وطنيةً عيها إيجادها وحفظها للأجيال، طباعةً ونشراً وتسجيلاً توثيقياً، وهو أحد أدوارها وبين أبرز مسئولياتها، أو هكذا أعتقد.

وهذه شهادتي أضعها حيةً أمام بلدي ومثقفيها لا أسائل فيها سوى ضميري وذكرى أنور عبدالملك، والتاريخ، وهو لا ينسى.

Hamza_qenawy@hotmail.com

  • شاعر وأكاديمي مصري مقيم في الخارج
  • الوضع في مصر

  • اصابات

    15,003

  • تعافي

    4,217

  • وفيات

    696

------------------------
الخبر : إلى السيدة وزيرة الثقافة.. أين تراث أنور عبدالملك؟ (2/2) .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : المصرى اليوم

0 تعليق