مفاوضات سد النهضة فى مفترق الطرق

0 تعليق 52 ارسل طباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

شهدت مفاوضات خلال السنوات الماضية مسارات وسيناريوهات مختلفة عكست أحداثًا وتغيرات فى موازين القوى فى المنطقة، بدءاً بثورة يناير المصرية عام 2011 وتداعياتها على الداخل المصرى، ثم الاضطرابات المحلية والقبلية بإثيوبيا وتغيير قيادتها السياسية، وتلاها ثورة السودان وتغيير نظام الحكم، بينما تحقق مصر نمواً واستقراراً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً مع تطور عسكرى كبير.

Sponsored Links

وكان نتيجة للوهن المصرى عقب أحداث ثورة يناير 2011 والانفلات الأمنى والانقسام المجتمعى، أنّ تشجعت إثيوبيا على وضع حجر أساس سد النهضة بعد أسابيع قليلة من انطلاق الثورة المصرية، وقبول مصر وقت حكومة عصام شرف بالشروط الإثيوبية المجحفة لتشكيل اللجنة الدولية لتقييم الدراسات الإثيوبية لسد النهضة. فقد كان أحد هذه الشروط أن تقر مصر بأنّ سد النهضة تحت الإنشاء بالرغم من عدم بناء حجر واحد فى جسم السد وقتذاك، وقبلت مصر الإقرار بالسد وإنشاءاته ولم تعترض عليه أو حتى المطالبة بوقف إنشاءاته حتى استكمال الدراسة. وكان من الشروط أيضاً أن توافق مصر على أن نتائج دراسات اللجنة الدولية غير ملزمة للدول بل استشارية فقط، وأن تأخذ بها إثيوبيا أو لا، فهذا أمر يرجع للإدارة الإثيوبية ومشيئتها.

وبعد مرحلة المجلس العسكرى جاءت مرحلة الإخوان المسلمين، وأتذكر الرئيس الأسبق محمد مرسى فى مقابلة تليفزيونية قبل الانتخابات الرئاسية عند سؤاله عن رأيه فى مشكلة سد النهضة، قال ما معناه إن الله معنا وسيزيد من الأمطار ومن إيراد النهر ويحفظ مصر. وكلنا نتذكر حضور الرئيس الأسبق اجتماع الاتحاد الإفريقى فى إثيوبيا وأثناء رحلة عودته إلى القاهرة قامت إثيوبيا بتحويل مسار النيل الأزرق للبدء فى إنشاءات سد النهضة.

.. وبعد ذلك بأيام قليلة، قامت اللجنة الدولية بنشر ملخص تقريرها النهائى عن الدراسات الإثيوبية لسد النهضة، منتهية إلى تدنى مستوى هذه الدراسات وقصورها وأنّه يجب إعادتها، وأنّ هناك تأثيرات سلبية كثيرة للسد على مصر. وتلى ذلك هوجة إعلامية وتصريحات جوفاء ثم اجتماع للقيادات الحزبية السياسية الدينية وقتذاك مع الرئيس الأسبق محمد مرسى، وكان الاجتماع مذاعاً على الهواء وتم الإعلان فيه عن حروب وغزوات تليفزيونية أضرت كثيراً بسمعة مصر ومكانتها الاستراتيجية. والغريب أنّ حكومة الإخوان حجبت تقرير اللجنة الدولية عن العامة والخاصة ولم تسمح بنشره إعلامياً، وكذلك دولة السودان، خوفاً من «زعل» الحكومة الإثيوبية وحفاظاً على مشاعرها الرقيقة.

وجاءت ثورة يونيو 2013 وتم تكليف رئيس مؤقت للبلاد وحكومة جديدة لم تقدم شيئاً لهذه القضية فى ظل انقسامات داخلية عنيفة، واعتصامات الإخوان المسلمين وفضها والقبض على قياداتها، وهجمات إرهابية شرسة على مصر من الشرق والغرب، وما صاحب ذلك من أزمات. ثم تولى قيادة البلاد فى ظروف صعبة من تجميد عضوية مصر فى الاتحاد الإفريقى، وتدخلات دولية متكررة من الولايات المتحدة وأوروبا فى شؤون البلاد، بالإضافة إلى أزمات نقص خدمات تمس الاحتياجات الأساسية للمواطن المصرى. وتم لقاء الرئيس المصرى مع رئيس وزراء إثيوبيا فى اجتماع الاتحاد الإفريقى فى غينيا الاستوائية، وتم الاتفاق على استكمال مفاوضات سد النهضة للنظر فى تنفيذ توصيات اللجنة الدولية.

واليد العليا فى المفاوضات كانت لإثيوبيا، فأخذت تفرض شروطها التفاوضية واحداً بعد الآخر، سواء من استبعاد الخبراء الأجانب من اللجنة الثلاثية أو استبعاد دراسة السلامة الإنشائية للسد من الدراسات الاستشارية المطلوبة، وقبلت مصر بهذه الشروط فى ظل تضامن سودانى- إثيوبى واضح. والنتيجة أنه لم يتم تحقيق أى شىء يُذكر فى المفاوضات حتى مارس 2015، فتم توقيع إعلان المبادئ لتحريك المفاوضات، والذى أكد موافقة مصر الصريحة على سد النهضة، بعد الانتهاء من نسبة كبيرة من إنشاءاته. وشمل إعلان المبادئ تعهداً إثيوبياً باستكمال دراسات السد وتداعياته على دولتى المصب للاتفاق على قواعد تخزين وتشغيل السد، واستمرت إثيوبيا فى المماطلة والتعنت ولم تكلل المفاوضات بأى نجاح أو تحرك إيجابى. واستمرت المناورات الإثيوبية لمد فترات التفاوض بدون تحقيق أى شىء يُذكر، واستمرت إثيوبيا فى تصريحاتها العنترية عن السيادة على المياه النابعة من أراضيها. فقامت مصر بالإعلان عن فشل المفاوضات، وطالبت بالوساطة الدولية، ورفعت الأمر إلى الجمعية العمومية للأمم المتحدة لتدويل القضية، وجاء التدخل الأمريكى لنزع فتيل هذه الأزمة بين الدولتين الحليفتين. والغرب، بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، هو الداعم الأساسى لإثيوبيا فى المنطقة مادياً وعسكرياً، وهو من وراء الزخم الإعلامى حول نموها الاقتصادى بالرغم من هشاشة الداخل الإثيوبى.

الهدف من المفاوضات الجارية هو الاتفاق على قواعد ملء السد وتشغيله، وبما يجنب مصر والسودان أزمات مائية طاحنة بعد تهميش دور السد العالى كمخزون مائى استراتيجى. وإثيوبيا بعد أن نجحت فى الحصول على اعتراف مصر بالسد وسعته مازالت تطمع أيضاً فى الحصول على حصة مائية من النيل الأزرق لتوسعات زراعية مستقبلية وبناء مزيد من السدود على حساب حياة الشعبين المصرى والسودانى. وإثيوبيا تتغافل عن اختلال ميزان القوى التى كانت تعتمد عليه، وتتغافل أيضاً أنها بالفعل لديها حصة مائية من مياه النيل الأزرق تتمثل فى فواقد سد النهضة، والتى تزيد على ٣ مليارات متر مكعب سنوياً، بالإضافة إلى كمية مماثلة تقريبًا من المياه للزراعات القائمة على مشروع تانا بيليس ومجموعة من السدود الصغيرة فى أعالى النيل الأزرق، وإثيوبيا سوف تستخدم كامل تدفق النيل الأزرق فى توليد الكهرباء من سد النهضة. ولكن إثيوبيا فوق ذلك تريد مياهًا لتوسعات زراعية جديدة ولسدود جديدة على حساب استخدامات مصر والسودان الحالية فى الأغراض الحياتية، ويسقط عليها مئات المليارات من الأمتار المكعبة من الأمطار سنوياً وتنتشر بها الغابات ومراعى ثروة حيوانية هائلة للتصدير، وتزرع ملايين من الأفدنة الزراعية بالأمطار بما يكفى احتياجاتها وتصدر الباقى، بينما مصر تبلغ فيها الفجوة الغذائية حوالى ١٠ مليارات دولار سنوياً، وإذا استمر التعنت الإثيوبى فعلى مصر استغلال هذه الفرصة لتحييد دور الولايات المتحدة الأمريكية والغرب فى هذه القضية، حيث تستطيع مصر وقتها تحقيق أمنها المائى وعدم التفريط فى حقوقها.

وزير الموارد المائية والرى الأسبق

------------------------
الخبر : مفاوضات سد النهضة فى مفترق الطرق .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : المصرى اليوم

0 تعليق