«مائدة الرحمن».. من الخلفاء إلى البسطاء

0 تعليق 26 ارسل طباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

منذ زمن بعيد وموائد الرحمن تمثل أحد أهم المظاهر الرئيسية في مصر، ولا عجب في ذلك مع العلم أن بداية ظهورها كانت في مصر ومن خلال كبار رجالاتها، الذين تسابقوا في تنظيمها، ولكن موائد الرحمن أخذت تتطور في العصر الحديث حتى باتت غير مقصورة على رجال الدولة وإنما يقدمها الجميع وحتى أهالى الحى الواحد في محاولة للشعور بدفء وروحانيات الشهر الفضيل.

Sponsored Links

زمان.. المعز لدين الله الفاطمى كان يخرج من قصره 1100 «قِدْر طعام»

زمان والآن

اختلفت الروايات حول بداية موائد الرحمن في مصر، ولكن أغلب المصادر ذكرت أنها كانت من خلال الأمير أحمد بن طولون، مؤسس الدولة الطولونية في مصر، وأنه أقام أول مائدة في العام الرابع من ولايته، وأطلق عليها حينها «السماط» وجمعها «الأسمطة»، وكانت في أول يوم من أيام شهر رمضان، وجمع على مائدة حافلة بصنوف الطعام، القادة والتجار والأعيان وخطب فيهم «إننى لم أجمعكم حول هذه الأسمطة إلا لأعلمكم طريق البر بالناس، وأنا أعلم أنكم لستم في حاجة إلى ما أعده لكم من طعام وشراب، ولكننى وجدتكم قد أغفلتم ما أحببت أن تفهموه من واجب البر عليكم في رمضان، ولذلك فإننى آمركم أن تفتحوا بيوتكم وتمدوا موائدكم وتهيئوها بأحسن ما ترغبونه لأنفسكم فيتذوقها الفقير المحروم»، وأخبرهم أن هذه المائدة ستستمر طوال أيام شهر رمضان، حسبما توضح الصفحة الرسمية للملك فاروق.

غير أن هناك رواية أخرى تقول إن الدولة الفاطمية لها السبق في المبادرة بإعداد موائد الرحمن، وأنهم أطلقوا عليها اسم «دار الفطرة» والتى كان يمتد طولها إلى 175 مترًا، وبحسب تلك الرواية فإن الخليفة المعز لدين الله الفاطمى هو أول من أرسى تقليد المآدب الخيرية، وأنه أول من أقام مائدة في شهر رمضان من أجل المصلين وأهل مسجد عمرو بن العاص، وكان يخرج من قصره 1100 قدر من جميع صنوف الطعام ليتم توزيعها على الفقراء. ومن أشهر أصحاب الموائد في تلك الفترة الأمير «ابن الضرات»، الذي كان يمتلك أراضى واسعة تدر له دخلا باهظًا سنويًا كان ينفقه خلال شهر رمضان، حيث كان يعد موائد يصل طولها إلى 500 متر ويجلس على رأسها وأمامه 30 ملعقة من البلور يأكل بكل ملعقة مرة واحدة ثم يلقى بها ويستخدم غيرها.

توضح دراسة أثرية لعالم الآثار الإسلامية، على أحمد الطايش، أستاذ الآثار والفنون الإسلامية بكلية الآثار جامعة القاهرة، ألقى الضوء عليها خبير الآثار، عبدالرحيم ريحان خلال حوار له مع شبكة «العربية.نت»- أن فكرة موائد الرحمن ترجع إلى الولائم التي كان يقيمها الحكام وكبار رجال الدولة والتجار والأعيان في عهد الفاطميين وكان يطلق عليها «سماط الخليفة»، وأن الخليفة كان حريصًا على حضور رؤساء الدواوين والوزراء موائد الرحمن التي ينظمها، مشيرًا إلى أن القائمين على قصر الخليفة الفاطمى عمدوا إلى توفير مخزون كبير من السكر والدقيق لصناعة حلوى رمضان وأن «دار الفطرة» كانت مهمتها إعداد الكعك لتوزيعه في نهاية شهر رمضان وفى أيام العيد، وأنها كانت تعد بالقناطير لتوزع على كل أهالى القاهرة التي كانت في ذلك الوقت مدينة خاصة للخليفة وحاشيته وفرق الجيش المختلفة.

ويوضح د. ريحان لـ «العربية. نت» أن الأسمطة الرسمية التي كان يحضرها الخليفة الفاطمى بنفسه كانت تعقد في قاعة الذهب بالقصر الشرقى الكبير في ليالى رمضان، وفى العيدين والمولد النبوى وخمسة موالد، هي موالد: سيدنا الحسين والسيدة فاطمة والإمام على والحسن والإمام الحاضر، بالإضافة إلى «سماط الحزن» في يوم عاشوراء، موضحًا أن السماط كان يقام كل ليلة بقاعة الذهب بداية من يوم 4 رمضان إلى يوم 26 منه ويستدعى له قاضى القضاة توقيرا له، ويحضر كذلك الوزير فيجلس في مقدمة السماط فإن تأخر كان ولده أو أخوه وإن لم يحضر أحد من قبله كان صاحب الباب. وينقل عن المؤرخ المقريزى ما وصفه عن سماط رمضان الذي كان يقام في قاعة الذهب، حيث يوضح أنه كان يتم عمل 40 صينية كعك و500 رطل حلوى يتم توزيعها على المتصدرين والقراء والفقراء ثم يجلس الخليفة في القصر، ويتوافد كبار رجال الدولة ويتلو المقرئون القرآن الكريم وينشد المنشدون ابتهالات وقصائد عن فضائل الشهر الكريم. ويقول «ريحان» إن العصر المملوكى في مصر تميز بتوسع الحكام في الإنفاق على الفقراء والمحتاجين في شهر رمضان، حيث عمدوا إلى صرف رواتب إضافية لأصحاب الوظائف وكذلك للأيتام والمتعلمين، وكذلك تزويدهم بالأطعمة ذات الاستهلاك المرتفع خلال الشهر مثل السكر، كما عملوا على تخصيص أوقاف خيرية خلال عيد الفطر، تشمل ولائم الطعام، الذي كان يشتمل على اللحم والأرز والعسل وحب الرمان وتوزيع كميات من الكعك والتمر والبندق على المستحقين والفقراء، واشتهرت في هذا العصر الأوقاف الخيرية التي كان يخصصها الأمراء والسلاطين لإطعام لفقراء والمساكين. ويقال إن الخليفة الفاطمى العزيز بالله، قام ببناء دار الفطرة خارج قصر الخلافة بالقاهرة، لصناعة ما يحمل إلى الناس في العيد من حلوى، وكان يبدأ العمل فيها من أول رجب، ويستمر لآخر رمضان، ويستفيد منها الأمراء والفقراء كل على قدره.

وبحسب الهيئة العامة للاستعلامات، فإن الغرض من موائد الرحمن كما يقول بعض المؤرخين يتراوح ما بين بروتوكول سياسى وعمل خيرى، ولكن ظلت الموائد الملكية مستمرة حتى قيام الثورة وسقوط الملكية. ومنذ عام 1967 تولى بنك ناصر الاجتماعى الإشراف على موائد الرحمن المتعارف عليها حاليًا وبشكلها المتاح حاليًا، حسبما توضح الصفحة الرسمية للملك فاروق، ويتم تجهيزها من أموال الزكاة، وأشهرها المائدة التي تقام بجوار الجامع الأزهر والتى يفطر بها أكثر من 4 آلاف صائم طوال أيام شهر رمضان.

الآن.. أهالى المطرية يبهرون الجميع بـ «أطول مائدة رحمن»

زمان والآن

حل محل «السماط» و«دار الفطرة» موائد الرحمن الرمضانية، التي تتفاوت في طبيعتها بين موائد تحوى أفخر أنواع الطعام وموائد بسيطة تملأ شوارع وحوارى مصر المحروسة، وصار هناك تبارٍ بين جموع الشعب أثريائهم وبسطائهم على تنظيمها.

ففى مقابل الموائد التي ينظمها العديد من الفنانين المصريين، هناك الموائد التي ينظمها ميسورو الحال من الطبقة المتوسطة. غير أن المثير في الآونة الأخيرة هو امتداد فكرة موائد الرحمن واتساع مفهومها ليصبح مرتبطًا بفكرة «اللمة».

وصار هناك أحياء شعبية تضم في غالبيتها مواطنين بسطاء يفترشون الشوارع ويجلب كل أفرادها طعامه ويحضر به إلى موائد الرحمن فقط من أجل الشعور بالتآلف خلال هذا الشهر.

وخير مثال على هذا ما يفعله أهل حى المطرية الذين وصلت أخبارهم إلى العديد من البلدان العربية بفعل مواقع التواصل الاجتماعى، فأهالى منطقة المطرية دشنوا منذ عام 2013 تقليدا خاصا بهم، ألا وهو تنظيم مائدة لا تسع الفقراء فقط وإنما أفراد المنطقة جميعًا الذين يتشاركون في إعداد تلك المائدة التي يتجاوز طولها الـ 500 متر، وتمتد فروعها إلى الشوارع الجانبية، ويتم تنظيم هذه المائدة في منتصف رمضان من كل عام فيما يطلقون عليه «عزومة شعب المطرية».

الواقع أن فكرة «عزومة شعب المطرية» بدأت كفكرة شبابية أطلقها مجموعة من شباب المنطقة، وكحال كل المبادرات التي تبدأ صغيرة ثم تكبر مع مرور الوقت، فإن عزومة المطرية بدأت بمائدة لم يتجاوز طولها 20 مترًا، ثم بدأت تزداد طولًا مع كل عام حتى صارت تتجاوز الـ 500 متر وهو رقم مرشح للزيادة في الأعوام المقبلة بالطبع.

تتقاسم كل البيوت إعداد مائدة «عزومة شعب المطرية» التي تجمع مختلف الفئات من متعلم وأمى، الجميع يتشاركون الإعداد لهذا الحدث الاجتماعى الذي يجمع شمل أهالى المنطقة معًا على اختلاف أعمارهم وطبائعهم وأعمالهم، في لفتة يقول أهل المنطقة إن الهدف منها ليس فقط عمل الخير وإنما لمة الأصدقاء والجيران.

التقليد الذي دشنة أهل المطرية سلطت عليه وكالات الأنباء العالمية الضوء، ومنهم وكالة «رويترز» للأنباء، حيث التقطت صورا لمائدة إفطارهم الكبيرة، بمنطقة عزبة حمادة، ورصدت من خلال تلك الصور تجسيدًا للمة الجيران في شهر رمضان. وتناولت بعض المواقع العربية الحدث ووصفت المائدة بأنها الأطول في القاهرة.

وقبل حى المطرية، كان لحى السيدة زينب سبق في تنظيم موائد الرحمن بالجهود الذاتية، وإن كان لأهل المطرية خصوصية أن المائدة تجمع الجيران وليس فقط الصائمين من عابرى السبيل، وتقام مائدة الرحمن بالسيدة زينب في حارة الأمير يوسف، وهناك العديد من الموائد الأخرى التي تحتضنها شوارع القاهرة وتستمر منذ أول أيام رمضان وحتى نهاية الشهر الكريم.

والمثير أنه في السنوات الأخيرة صارت ثمة عادة حميدة لدى المواطنين في مصر، حيث اعتاد الشباب جلب مجموعة من العصائر والتمر والخروج بها إلى الشوارع قبيل ساعة الإفطار لتقديمها للمارة والذين لا تمكنهم طبيعة عملهم من الوصول إلى منازلهم قبل ساعات من الإفطار، واللافت أن هذا الأمر صار هو الآخر مجالًا للتبارى بين أبناء الحى الواحد، حتى إنهم لا ينتظرون توقف الشخص لتقديم المشروبات له وإنما يسارعون بإلقائها تجاهه أثناء وجوده داخل أي وسيلة مواصلات.

كما امتد الأمر إلى تجهيز وجبات والقيام بتوزيعها على العاملين في الشوارع وعابرى السبيل والفقراء ليصبح هذا التوزيع المتنقل خيارًا مقابلًا لتنظيم موائد الرحمن الثابتة.

------------------------
الخبر : «مائدة الرحمن».. من الخلفاء إلى البسطاء .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : المصرى اليوم

0 تعليق