اخبار الثقافة الان .. فى رواية شمس بيضاء باردة: قراءة الكتب ربما هى الخلاص من تشوهات المجتمع

0 تعليق 22 ارسل طباعة تبليغ

اسرار الاسبوع عبدالله محمد
نشر فى : الجمعة 15 مارس 2019 - 7:14 م | آخر تحديث : الجمعة 15 مارس 2019 - 7:14 م

شاب أردنى اسمه «راعى» فقير ومثقف فى بيئة تحارب تلك الثقافة، مما يشعره بالغربة عن تلك البيئة الاجتماعية المحافظة والتى تعادى قراءته للكتب، فهو يعمل مدرسا فى العاصمة العمانية وتضطره مأساوية الحكاية إلى أن يستأجر غرفه يقدر على أجرتها، قصته فى رواية «شمس بيضاء باردة» الصادرة عن دار الآداب ببيروت لعام 2018، للكاتبة الأردنية كفى الزعبى، والتى تنافس على الجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر».

Sponsored Links

تطرح الرواية أسئلة جوهرية فى أصل الأشياء والعلاقات، حول الإنسان وحضوره فى المجتمع، كما تنطلق التساؤلات إلى آفاق الهم الإنسانى: الوجود، الأمان، التجذر، الحرية، المواطنة، الدين، لتثير بتلك الأسئلة الفلسفية التى تدور حول الوجودية والذات المتمثلة فى الفرد، فالبطل يعيش فى واقع سوداوى ملىء بالحروب والأزمات النفسية والصراعات الفكرية والسياسية والاقتصادية، وتطرح الرواية كذلك سؤالا عن رؤية الواقع الأليم من خلال شخصية البطل الرئيسية «راعى» فهو شخص محطم حزين هش غير اجتماعى يحدثنا قائلا: «لا أدرى إن كان هذا التشاؤم فطريا، أم أنه ناتج من المأساوية التى طالما واجهتنى بها الحياة، أم من هذا الهراء البشرى الذى أعيش فى لجته؟».

تنطلق الرواية من القرية وتبدأ مع «راعى» البطل الذى يستقبل عمله الجديد فى عمان، باحثا عن سكن رخيص، وما إن يجد ضالته فى غرفة كان يسكنها عجوز فضحته رائحة تحليل جسده الميت، تسأله عجوز: «هل أنت مستأجر جديد؟» «أجبتها: نعم»، لتخبره بقصة الغرفة قريبة الشبه بحياته: «وراحت بعد ذلك تحدثنى عن رجل عجوز كان يقيم بهذه الغرفة قبلى. قالت إنه مات فيها قبل شهر، ولولا الرائحة الكريهة التى انبعثت منها بعد أيام من وفاته، لما علم بأمر موته أحد»، استقر به الحال وفى الليلة الأولى يروى: «أغلقت الباب وجلت فى الغرفة.. لا توجد نافذة.. جدران صماء رمادية شاحبة تنثال منها البرودة والرطوبة مثلما ينثال الصمت من الفراغ».

«راعى» ابن القرية الفقير المثقف وهذه الثقافة لها ضريبة فادحة يتعرض على إثرها للهجوم والتسلط من قبل «الأب الجاهل» فهو يكره أن يصرف ابنه المال على الكتب ويضيع وقته هباء فى قراءتها ظنا منه بأنها هى السبب فى زندقته وفشلة المستمر، ابوه الجاهل والبخيل الذى يريد أن يرسم مسيرة حياة كاملة لابنه أن يتزوج من امرأة وينجب منها ويعمل كثور فى ساقية ما! يكسب منها مالا يصرفه على تلك العائلة، فهو يعيش كأى شخص ينجب بشفرات بيولوجية ويتصرف وفق غرائز ورغبات حيوانية. ويبحث «راعى» فى الكتب عن ضالته: «ثم أمضى قاصدا المكتبة فى جبل عمان. فى القراءة كنت أجد ضالتى، وألبى رغبتى فى النجاة من وعى متشائم للعالم، لا ينفك ينغزنى كسوسة دءوب».

السريالية المروية فى تلك القصة من حياة البطل والذى وصل للتو إلى العاصمة، فيها يبعد عن قلق الريف وضيق الأفق وسلطوية أبيه وهذا الجهل المحدق فى تراكيب الشخصيات فهو الآن بعيد كل البعد عن قريته بعيد حتى عن قناعتهم وعن هذا الزيف الدينى الذى تمارسه أسرته، فأبوه المتسلط المدعى التزاما دينيا لا نعرف أصلا ما هذا النوع من التدين، وفى محكم التنزيل العزيز الذى أنزله الله على النبى صلى الله عليه وسلم كانت هذه الكلمة «اقرأ» فهذه إشارة تحفز الذهن على الاطلاع والقراءة، وهذا يدلنا على سلطوية يزينها الجهل المجحف من قبل الأب على ابنه بسبب تمرده عليه.

فهذا الشاب اليائس المتشائم تصوره لنا الكاتبة كلوحة سريالية أقرب مأساوية لحياة جيل كامل متمثل فى شخص «راعى»، ضحية والد مريض ومجتمع متألم، ويرجع هذا الإحساس لحادثة حدثت له فى صباه، ففى قريته كانت تزورهم أم عائشة قريبتهم التى لا يحبذ أبوه زيارتها والمكوث لساعات كثيرة فربما ــ فى نهاية المطاف ــ يصل الأمر بالزوجة إلى الإصرار على المبيت، فهذا الوالد البخيل يوبخ الزوجة ويتوعدها لو تكرر مثل هذا الأمر، التصور الذى ركزت عليه الكاتبة كشف هذا الوالد المدعى تدينا الذى يلجأ للتحفظ كوسيلة ــ أو ستار ــ يحقق بها ما يريد، وعلى الرغم من أن الكاتبة ركزت على عنصر السلطة الذكورية متمثلة فى الأب وأن الأم نادرا ما تكون ظاهرة، فهذه نقطة مهمة خاصة أنها أتت من لمسة أنثوية تنصر المرأة فى مجتمع عربى معروف تحفظه فى هذه الجزئيات، الأب الذى لا يهتم حتى بركن مهم فى الإسلام وهو صلة الرحم، فهو لا يحسن ضيافتهم حتى، وهو ما أكد لنا جحود طبقات معينة من المجتمع تعانى هذا المرض الخبيث الذى يفتك بالمجتمعات ويجعل الجيل القادم يعانى الكبت النفسى والجنسى أيضا وهذا ما حدث لـ «راعى» الذى وقع فريسة الانفصام عن هذا العالم المجاور.

وتمر بنا الرواية بعد صدام سيارة بأم عائشة أودت بروحها، فأصبحت هذه البنت الساذجة البلهاء، يتيمة، فطمع الوالد ذهب إلى ضيافتها فى بيته إلى أن يتسنى له الاستيلاء على أرضها التى ورثتها عن أمها وأبيها، وهذه الظاهرة التى تعبر عنها الروائية عن الحريات، إضافة إلى تفكك العلاقات الأسرية وما يسود الوضع الاجتماعى فى بعض البلدان العربية من قمع للحريات وتحريم أدنى ملذات الحياة المرهونة بشىء من الحرية، حرية الحركة والتعبير والاختيار وبخاصة اختيار شريك الحياة، وهذا ما كان على النقيض، فالأب يفتك بالابن ولا يقوم بإحياء مثل هذا النوع من الوعى فى ذاته فأصبح يبحث عن علل فى الكتب.
عائشة التى تصف تصرفاتها أم راعى قائلة هى فتاة «على الله»، يمتزج الحكى فى وصف الحالة التى تميز بها عمال القرية، فالراوى يتمثل فى راعى الذى يحكى تلك الحكاية المأساوية ولكن ما قبل ذلك فى السابعة عشرة من عمره يقرر أن يعمل عملا يكسب منه بعض المال، ليشترى بهذا المال الكتب ولا شىء سوى الكتب، فيحكى قائلا: «لكننى بعد عدة أيام من بدء العمل أدركت أن السير نحو الأحلام يشبه مشى من يستعين ببوصلة، تشير إلى الجهة التى ينشدها المرء، إنما من دون أن تخبره بشىء عن ماهية الطريق» «إنها المرة الأولى فى حياتى التى أمارس فيها عملا منتجا»، وفى يوم عمل شاق يتصبب العمال عرقا يصف لنا فيه حالته «لا شىء يخفف عنى مشقة العمل سوى طرافة العمال»، وما بين دردشة العمال يتعرف الصبى ابن السابعة عشرة على حكايات جنسية يفتخر فيها كل عامل بيومه، ويروى لنا على لسان المقاول «لكن المقاول نادانى وسألنى: كم عمرك؟ فقلت: سبعة عشر عاما، فضحك قائلا: إنك رجل إذن، ولا بد من أنك تفعلها! فاحمر وجهى خجلا وانعقد لسانى، واستمر قائلا إن المعرفة النظرية ضرورية لى» فهذه الصورة التى أخجلت ملامح راعى سببها الأب وسواء كان التناقض بلغ تمامه بينه وبين أبيه، إلا أن كلا منهما سيقع فى شرك الخطيئة، هذا الكبت الذى يجعل من الابن «أبله» حين تدخل عليه عائشة ويتورط فى علاقة جنسية، وتتكرر مرة بعد مرة، ويكون هذا بمثابة لعنة فاضحة يعرف من فى البيت بالقصة التى تؤرق حياته، أبوه نزل عليه ضربا والأم تضربه بالكلمات، قائله: «لقد استوطأت حائطها أيها السافل. أبوك سرق مالها وأنت هتكت عرضها. يا ويلنا من الله ويا ولينا من الفضيحة»، وعلى الرغم من هذا راح أبوه يبحث ليزوجها بأبله ساذج مثلها، وبعصبية يبحث عن أى سبب ليبرحها ضربا حتى يتسبب فى إسقاط الجنين، لتموت عائشة التى كانت سببا فى تجرعه الجرعة الأولى للجنس، هذا الإحساس القاتل الذى يشعره دائما أنها ماتت بسببه، فتخلى عنها وعن ابنه فكان كمتتالية ونسخة أخرى من أبيه تضاف إلى هذا المجتمع البائس، امتلأ قلبه بالكره الشديد لأبيه متمنيا له أن يموت قائلا: «سأقتله». فهو المتألم الذى أصابه التشاؤم واليأس، إلا أن بحور المعرفة التى غرق فيها لم تنقذه تلك المرة على الرغم من ذلك لم تنفعه ثقافته فخانها حين عرضت له عائشة نفسها ولم يكبحها ويخرجها خارج غرفته أو فارا منها خارج غرفته.

تسرد الكاتبة مرتكزة على قمع الأب وظلمه، ومن منطلق الجنس كشهوة حيوانية، تترك لراعى الراوى ليحكى عن نفسه وعن هذا السواد الذى أودى به إلى بحور التيه وظلمات وجنون أصبح يعيش فيه، فيحكى لنا كأنفس متعددة ليس كنفس واحدة فهو يعكس لنا واقع المجتمع من خلال تجربته المريرة.

والواقف على عتبات الحكاية سيجد أن الكتب فى الرواية لم تفتح كلها، فأى وقت مناسب لفتح هذه الكتب التى تملؤها الحكايات والأفكار لماذا هى حبيسة التعنت والتحجر، هل أصبحت الثقافة جريمة؟

ويأتى الجزء الآخر من الرواية عن أحمد صديقه الذى يعمل معه فى المدرسة، أحمد يشرب معه الخمر ولكن سكره هذا لا يكون سببا فى أن يترك الصلاة، والردود تنثال فى شكل تنظير بينه وبين راعى، فأحمد ضحية كذلك لمجتمع أغلق كل شىء على هذا المحب المولع بزوجته. مجتمع يشهد انتحار جمعى للشباب.

البديهى أن الرواية الروسية تحتل مكانة فريدة وبارزة فى تراث الأدب العالمى، فما زالت الروايات الروسية الكلاسيكية حتى يومنا هذا تثير شعور الكثيرين عند قراءة هذا النوع من الأدب، حاضرة فى ذاكرة القارئ، تتأثر الكاتبة والروائية الأردنية كفى الزعبى بمؤلفات روسية أمثال تولستوى ودوستويفسكى وتشيخوف، فهذا التأثر أنتج لنا رواية جدلية عن مجتمع يعانى وسلطة سياسية لا تنظر لبحور هذا المجتمع المتمثل فى راعى وأحمد، وعائشة وغيرهم، وتأتى الرواية بثوب فلسفى قريب للفلسفة الوجودية فى الأدب الروسى.

 

------------------------
الخبر : اخبار الثقافة الان .. فى رواية شمس بيضاء باردة: قراءة الكتب ربما هى الخلاص من تشوهات المجتمع .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : الشروق - ثقافة

0 تعليق