ثقافة وأدب / ابداع

قصة ندى إمام بعنوان فَــتِــيــــحَة


كان عليَ بعد أن أديت عُمرتى، أن أذهب وحدى لأداء عمرة تطوعية وهبتها لأخى الذى غادرنى على عجل وذهب للقاء ربه. كان قرار الذهاب بمفردى جريئا لسيدة لا تعرف شيئا عن مكة ولا مكان الإحرام وكيفية الوصول له! لكننى قررت الذهاب تاركة زوجى الذى أصابته وعكة صحية من جراء تغيير الجو بالفندق فى رعاية الأصدقاء الذين يشاركوه الغرفة.
أديت صلاة الظهر أمام الكعبة، ثم خرجت من البيت الحرام متجهة حيث أماكن السيارات التى تذهب إلى مسجد " التنعيم" وهو المسجد الذى سأحرم منه بنية عمل العمرة التطوعية ، وهناك سألت السائقين عن تلك التى تذهب هناك.
كنت أهرول بين السيارات وكانت تهرول خلفى سيدة تستفسر مثلى عن مكان المسجد.
سألتنى فأجبتها بأننى أبحث مثلها، ثم وجدنا بعد فترة بحث قليلة السيارة التى ستقلنا لمكان الإحرام فركبنا معا وجلسنا بجوار بعضنا فى المقاعد الخلفية.
حين وصلنا المسجد ذهبنا لنتوضأ معا، وقمنا بعمل الاستعدادات الخاصة بالعمرة؛ ثم خرجنا من المسجد لنستقل سيارة تُعيدنا إلى حيث المسجد الحرام.
دخلنا حيث الكعبة المشرفة نحمل الإجلال والتعظيم والفرحة بهذه العمرة التى نمنحها لأحبائنا حيث علمت من رفيقتى أنها تَهِب تلك العمرة لوالدتها المتوفاة.
هنا بدأنا التعارف الفعلى، فسألتنى عن أسمى؛ فأجبتها: ناهد، وسألتها عن إسمها فقالت:
" فتيحة " ابتسمت لها فى دهشة قائلة : هذا إسم للرجال فى بلدى! فضحكت قائلة لى : إسمى فَتِيحَة بفتح الفاء وكسر الياء وليس فِيتِيحه ، وهنا ضحكت لها وقلت : الآن اتضح لى الإسم.
كانت فَتِيحَة فى الأربعينات، بمثل عمرى تقريبا، وبينما أنا بيضاء كانت هى تميل إلى السمرة بعض الشىء، ذات شخصية بشوشة وبسيطة وطيبة. قررنا أن نؤدى عمرتينا فى صحبة بعضنا حتى نأتنس ونتعاون معا لو تعرضنا لأى تعب أو مشكلة ما .
بدأتُ وفَتِيحَة فى تأدية المناسك، بعد ان أدينا صلاة العصر التى حل ميعادها عند وصولنا ، وطفنا بالبيت العتيق وكل منا ممسكة بيد الأخرى ونحن ندعو ونبتهل. ثم قررنا أن نقترب أكثر لنلامس الكعبة المشرفة، كانت فَتِيحَة تفسح لنا الطريق وهى ممسكة بيدى كأننى كأخت حميمة ، وقفنا مستندتان على جدار الكعبة، هى تدعو لأمها ولها وبناتها ولكل أحبائها ، وأنا مثلها.
انتهينا من الطواف، وتزاحمت فَتيِحَة مرة أخرى كي نصلى ركعتين فى حِجر إبراهيم عليه السلام ، ثم اهرولنا معا للسعى بين الصفا والمروة.
كنا نسعى بسعادة بالغة بهذا اللقاء بيننا والذى لم يكن بالحسبان! ولكن الله قدره حتى يكون لكل منا من يؤانسه. ظللنا ندعو ونكبر ونهرول ونتحدث ونضحك وقد نزعنا عن أرجلنا ما يعوق سيرنا وانطلقنا فوق الأرض الرخامية الجميلة.
بعد كل شَوط من الطواف، كنا نذهب لنرتوى من ماء زمزم. كانت فتيحة بين فترة وأخرى تخرج من حقيبتها بعض التمرات وتعطينى لنأكل وهى تضحك قائلة : نحن بحاجة لها لأن نسبة السكر لدينا بدأت فى الهبوط.
عرفت أن فتيحة من الجزائر، وأنها طبيبة أمراض نساء ناجحة، و لديها أبنتين من زيجة سابقة توفى فيها الزوج وهى مازالت صغيرة فى السن، لكنها قررت عدم الزواج مرة أخرى، وهى تحيا سعيدة مع ابنتيها. وعلمت فَتِيحَة منى إننى مصرية ، وأن زوجى معى بالعمرة لكنه متوعك ولم يستطع مصاحبتى. وإننى أعمل بالتدريس.
أَذَنَ المؤذن لصلاة المغرب، وأضيئت أنوار الحرم ، وصلينا مع جحافل المصلين الذين أتوا من كل فج عميق.
حين أنتهينا خرجت أنا وفَتِيحَة من المسجد حيث الباحة الواسعة الجليلة ، وأضواء المسجد تنير المكان الجليل، وبرج الساعة الخلاب يطل علينا فعلمنا منه الوقت بدقة.
ثم أخرجت فَتِيحَة مقصها الصغير من حقيبتها؛ وطلبت منى أن أقص لها ما يعادل بوصتين من جديلتها. ضحكتُ قائلة لها: سأقص لك خمس بوصات؛ فضحكت بدورها قائلة : مش خسارة فى أمى ، ثم قامت هى أيضا بقص مقدار من جديلتى.
دعونا الله أن يتقبل عمرتينا واستعددنا للرحيل، فقمنا بالمصافحة بحماس وامتنان لا يشوبهما أى مطلب دنيوى أو منفعة، واحتضنا بعضنا بمحبة وسعادة ذابت فيهما كل فوارق الزمان والمكان والحدود واللهجة.
قالت فتيحة : أحب أن أراك يوماً فى الجزائر، فيوم أن تنوى الذهاب إلى هناك أعلمى أن لك أختا ترحب بك فى بيتها. قلت لها نفس الشىء.
وعلى وجهينا ابتسامة مشوبة بألم الفراق بعد هذا اللقاء الجميل تبادلنا أرقام الهواتف وأنصرفنا كل فى طريق ، فانطلقت هى جهة اليسار وانطلقت أنا جهة اليمين وبالقلب تحمل كل منا محبة الأخرى.
مرت سنوات كثيرة وللآن لم أر فتيحة ولم ترانى، و فقدنا أرقام هواتفنا. لكننا بالتأكيد نحمل معاً بالقلب ذكرى تلك الرفقة الرائعة التى جعلتنا نرى الوطن العربى كما كان فى الماضى بلا حدود. وكلما تذكرت فتيحة ابتسم وترتسم على وجهى نفس الاندهاشة التى تلقيت بها اسمها أول مرة.
***

 

Sponsored Links

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا