مقالات : نسيان ونسيان .. للدكتور أحمد يوسف على

0 تعليق 70 ارسل طباعة تبليغ

طبقا لـ "العرب القطرية "

إذا نسي الإنسان، فالنسيان أمر مقبول، لكن كيف ينسى الله؟ ثم كيف ينسى الله الإنسان؟ وهل الله سبحانه ينسى وهو القيوم على ملكوته «لا يضل ربي ولا ينسى»؟ وردت على ذهني هذه الأسئلة حين استمعت للآية من سورة الحشر «نسوا الله فأنساهم أنفسهم»، وقلت النسيان جائز على الإنسان ولا يجازى على ما نسي إن لم يكن بداعي الإهمال، فكيف يعاقبه الله على النسيان؟ للمسألة في تقديري بعدان: بعد إيماني، وبعد وجودي. أما البعد الإيماني فمن آمن إيمانا صحيحا فقد امتثل لما يفرضه الإيمان من قواعد الأخلاق والسلوك، ومن قواعد الاعتقاد السليم، وهما جوهران أصيلان: الاعتقاد، والأخلاق. ولهما مردود واضح في صلاح الحياة وانسجام الإنسان مع نفسه ومع غيره ومع كل الكائنات، وهذا ما يحقق سنة الله في كونه، وهي استخلاف الإنسان الذي سخر له الله ما عداه من الكائنات، كما أن لهما رصيدا باقيا ليوم تشخص فيه الأبصار «ولتنظر نفس ما قدمت لغد»، فإذا ما اختلت العلاقة بين الاعتقاد والأخلاق اختلت العلاقة بين الإنسان وبين الله. وهذا الاختلال اختلال نتج عن وعي الإنسان بما يفعل وليس عن غفلته، فهو إذن اختلال مقصود ومرصود وهذا هو المراد –في تقديري-بنسيان الإنسان الله، وهو نسيان يقع في دائرة الفعل المتعمد مثل الجرم المتعمد يستحق العقوبة. والعقوبة لا تكون إلا بعد إمهال يراجع فيه الإنسان مواقفه مع نفسه ومع غيره من الناس، بدءا من أضيق الدوائر وانتهاء بأوسعها. ففعله لا يؤذيه وحده بل يؤذي الآخرين، وما نشاهده في وقتنا الراهن لهو أكبر دليل على تدمير الإنسان لنفسه ولغيره على امتداد الجغرافيا، ولعل هذا هو المقصود بقوله سبحانه: «كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى»، والعقاب الخطير هو أن الله الذي خلق الأنفس هو سبحانه الذي ينسي الناس أنفسهم. وخطورة العقوبة أنها في الدنيا وهي دار العمل، وأنها تقع على مناط الإدراك والوعي بما يترتب عليه من بوار الفعل في الدنيا، حتى وإن بدا زاهيا وجميلا. ويتكشف بوار الثمرات وقت أن يؤمر الإنسان «اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا»، وهذا الفهم ربما يتعاطف مع قوله «نسوا الله فنسيهم»، لكني أجزم أن الله لا ينسى، لكن النسيان هنا عقاب واضح، بمعنى أن هؤلاء خرجوا من رحمته فصاروا هباء منثورا «وقدمنا إلى ما عملوا فجعلناه هباء منثورا». 
أما البعد الوجودي فهو قرين البعد الأول، فمن لا يؤمن ارتضى الالتزام بمعايير أخلاقية ضابطة للسلوك هي من صنع الإنسان نفسه، وقد تكون صحيحة ونافعة ومفيدة، لكنها فارغة من جوهر القصد والإيمان، وما تحققه هذه المعايير من نفع مردوده على الإنسان الفرد والجماعة وليس لها رصيد باق، وليس لله حضور في نفس صاحبها. وهذا يعني النسيان بالمعنى الذي قدمناه آنفا
والسؤال الذي ينبغي أن نواجهه: كم ممن يعلنون راية الإيمان في الشرق والغرب ينطبق عليهم «نسوا الله فأنساهم أنفسهم» وزين الشيطان لهم سوء عملهم فرأوه حسنا؟ فالطبيب والمعلم والصانع والزارع والخطيب والضابط والمثقف والفنان والمخرج والممثل الذي يعمل وقد انفصل لديه الاعتقاد عن الخُلق ضرره أبلغ من نفعه، ورصيده من عمله ما حصله من مال وشهرة وحضور وإكبار في أعين الناس، لكنه ما زال في حاجة لاستعادة نفسه التي ضاعت حين نسي الله.


أ. د. أحمد يوسف علي يوسف
أستاذ النقد الأدبي والبلاغة 
قسم اللغة العربية، كلية الآداب والعلوم- جامعة قطر

Sponsored Links

0 تعليق