الارشيف / ثقافة وأدب

أسامة عرابى يكتب: أحلام فترة النقاهة والبعد الجمالى للحياة

Sponsored Links

#أسرار_الأسبوع عبر جديلة حلمية تغوص عميقا فى طبقات الروح واللغة والرؤى، يقدِم لنا أديبنا العالمى نجيب محفوظ فى «أحلام فترة النقاهة» التى يصدر جزأها الثانى عن دار الشروق هذه الأيام، عملا أدبيا تتحدَد شروطه الفنية فى مكابدته لذاته، وللعالم من حوله، مُحاوِرا له، مُطلا عليه بأسئلته المُشرعة على جهاته الأربع، مُدافعا عن الحرية على نحو يُمكِنه من الانخراط فى هذه الحياة، مكتشفا نفسه، وحقيقته الوجودية الفريدة. ومن ثَمَ عُدَت الحرية بالنسبة إليه الأساس الضرورى، والشرط المُسبق لأن يكون صادقا مع نفسه. لذلك راح يُخاطب الحواس بلغة الحدس والمخاطرة.

وهنا نغدو أمام تجربة لا تُعطى نفسها بشكل سلبى، ولا نكون حيال فلسفة تردُ العالم إلى كلية ميتافيزيقية مغلقة، بل نُمسى إزاء رؤية تُزيح النقاب عن واقع حقيقته محجوبة، وأعماقه مطمورة. وهو ما يقودنا إلى محاولة فهم هذه التجربة الجديدة، وما تنطوى عليه من دوال، تندغم فيها الذات التى تُشكِل ذاكرة النص، بالحلم والشعر والفانتازيا والتأمل الفلسفى والوعى الملحمى بالتاريخ، بحس بنائى قادر، وموهبة تتجاوب مع نزوعها الدائم إلى المغامرة، وتحطيم هوية التماثل والتطابق التى دعت إليها التأويلات النفسية الكلاسيكية، مع مقاربة واعية للأدب كمعْلم إنسانى يتجاوز التصنيفات الضيقة، والأطر الجاهزة، متخففا من شمولية الموضوعات، ومن التوليف الإنشائى للموجودات الخارجية، فى سعيه نحو عبور الظاهر إلى الباطن، والعابر إلى المقيم، والعَرَضى إلى الجوهري؛ تعبيرا عن قلق داخلى، ورغبة فى الذهاب إلى الأبعد. لذا أضحى السرد هنا، كما قال بول ريكور، حارسا للزمن، ومحايثا لصيرورة الوجود، ولطبيعته المتغيرة أبدا، وكأنى به يقتفى خطى الفيلسوف الألمانى نيتشه حين استبدل مفهوم الوجود بالحياة، مُفضيا إلينا أن الوجود ليس سوى تأويل، وأن انتماءه إلى الحياة جاء بوصفها معنى ممكنا لها، بل هو معناها المتعدِد والقابل دوما للتأويل.

Sponsored Links

يقول الأستاذ نجيب فى «حلم 210»:«وجدتنى فى قهوة الفيشاوى وأمامى على بُعد الفنانة البالية الموشكة على الزوال، فنظرت إليها بشغف، وتلفتت تنظرنى بسماحة وظهرت على شفتيْها ابتسامة خفيفة، فقال لى صاحبى: أبشرْ فلن تخوض معركة الحياة الأخيرة وحيدا». وفى «حلم 215» يقول: «رأيتنى وسط جماعة من الشبان المعاصرين، ورأيت فيهم واحدا مختلَ الأعصاب؛ فتصدت له فتاة منهم وعاملته بلطف ومودة حتى استردَ صحته النفسية، ثم جمع بينهما حب عميق، وأراد أصحابه أن يتأكدوا من شفائه؛ فاقترحوا عليَ أن أمثَل دور العاشق مع الفتاة ففعلت ولكنها صدَت عنى بأدب، وإذا بى أحبها حقا وعزَ عليَ أن تُفضِل عليَ ذلك الفتى المريض. وذات مرَة شعرت بمن يعزف نغمة من أنغام الزار، وتراءت لعينى الفتاة وهى ترقص، فرقصت معها حتى استيقظت منهوك القوى، ولكن فى صبح جديد».

وراح الأستاذ نجيب بذلك يُنصت إلى الحياة من جوانبها الصامتة وأبعادها الغائبة، باحثا عن حضور الشعرى فيها، وعن مغزى الإنسانى وهو يجابه الموت، ويصون الحياة؛ فينتج جمالية تُضاعف من سلطة الخيال، وروحها المتوثبة؛ وكأنى به يهتف مع جبران خليل جبران: امرأة أخرى ستلدنى. إنه يروم الوصول إلى التحقق الكامل والتحرير الكامل لذاته، مُفتشا عن الآخر الذى يسكننا، أو يهجس بالآخر الذى لا يحضر، أى الآخر الذى لا نهاية له، بل لا هوية له، مؤكدا طوال الوقت أن الإنسان هو صوت الرغبة، أو إيقاع التوتر الناجم بين السؤال والشك؛ إذ لا سبيل أمامه سوى السعى إلى تجاوز التعارضات التقليدية بين المادى والروحى، بين الواقعى والخيالى. ألم يقلْ لنا «الشنفرى» الشاعر الجاهلى القديم:
لعَمْرُكَ ما فى الأرض ضيقٌ على امرئ/ سرى راغبا أو راهبا وهو يعقِلُ؟

لذا تصدر «أحلام فترة النقاهة» عن وعى معرفى وجمالى بالبعد الحقيقى لحضورها الإنسانى، وأن تمارس علاقتها بالفن اختزانا واكتزانا وحوارا داخليا مع أحداث الحياة، وأسئلة أشواقها، وما اجترحته من قيم دفعتها إلى الانفلات من السائد فى مواضعاته الاجتماعية المُحصَنة بالتابوهات؛ فامتلكت عنصر التحرُر من خلال وعى الذات، ووعى الوجود، وقدرتها على أن تقدِم لنا أسئلة الكتابة والحياة، حين يُحيل كلٌ منهما إلى الآخر، وعلى نحوٍ يتواشج فيه نقد المؤسسات والمجتمع، بنقد العالم بمواصفاته اللاهوتية والإنسانية؛ فتفقد الأشياء ثوابتها وإطلاقيتها؛ وينتقل من الوثوق إلى النقد، ومن اليقين إلى الشك، كما نلمسه في «حلم 209»: «وجدتنى مع الرئيس عبدالناصر فى حديقة صغيرة وهو يقول: لعلك تتساءل: لماذا قلَت مقابلاتنا؟ فأجبته بالإيجاب. فقال: كلما شاورتك فى أمر جاءت مشورتك بالاختلاف كليا أو جزئيا؛ فخفت أن تتأثر صداقتى لك بهذا الموقف، فقلت: أما أنا فلن تتأثر صداقتى لك مهما اختلفنا». وهنا يُميط الأستاذ نجيب محفوظ اللثام عن فحوى مشروعه الأدبى القائم على الاستقلالية، ورفض احتكار السلطة للحقيقة، فاتحا الهوية على الاختلاف، والوحدة على التعدد وتوليد الفوارق، وإنتاج المعنى؛ مستهدفا الارتقاء بالشروط التى تسمح بفاعلية الإنسان.

------------------------
الخبر : أسامة عرابى يكتب: أحلام فترة النقاهة والبعد الجمالى للحياة .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : الشروق - ثقافة

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا