بورقيبة وكورونا.. واهمية مناعة العقل

0 تعليق 132 ارسل طباعة تبليغ

مع انه لم يحظ في هذه الذكرى العشرين لرحيله بخطاب رسمي ولم يشهد ضريحه  بالمنستير ازدحاما او  وقفة شعبية من انصاره ومؤيديه ولم تسجل المنابر الاعلامية والتلفزية اهتمام بمسيرته بعد ان قلبت حياة الجميع راسا على عقب وعبثت بكل الاولويات وفرضت اعادة كل الحسابات والميزانيات، فقد سجل الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة مؤسس دولة الاستقلال  حضورا لافتا على المواقع الاجتماعية التي ازدحمت بشهادات مؤيديه وانصاره وردود افعال منتقديه وفئة ايضا لا تخفي حقدها الدفين ونقمتها على الرجل حتى بعد عقدين من رحيله عن عالمنا..الطريف انه و مع حلول الذكرى السنوية لرحيل الزعيم بورقيبة فاننا نكتشف المزيد من التسجيلات و الخطب و خاصة الصور التي توثق لمرحلة من المراحل  او تجربة من التجارب التي مر بها الرجل و التي يستعيدها اليوم جيل لا يخفي احترامه للرجل  كل حسب تجربته و قربه منه خلال العمل السياسي او النضالي ...و لعل المثير انه و منذ رحيل بورقيبة قبل عشرين عاما ازدحمت المكتبات بالعناوين باللغتين العربية و الفرنسية في رصد سيرة الرجل و تقديمها للاجيال المتعاقبة بين ناقد او مناصر او جاحد ...و لاشك ان في ذلك ما يعكس الكثير عن هذه الشخصية السياسية الوطنية الفريدة التي كسبت احترام الاعداء قبل الاصدقاء وارتبطت بتاريخ تونس المعاصر و التي يعود اليها السياسيون و النخب سواء ناقديه او مؤيديه لاستقراء ما قدم و نقد ما تاخر و استعادة ما يستوجب الوقوف عنده و الحفاظ عليه او مراجعته وتقييمه و اصلاحه بما يستجيب للاحتياجات التونسية ...

و قد لا نبالغ اذا اعتبرنا انه و بعد ازاحته من الحكم ظل مركز التميمي الاكثر اهتماما بسيرة الرجل في حياته او في مماته و اصدر لذلك اكثر من نشرية كما استقبلمن ظلوا على الحياة م وزاءه او معارضية للحديث عن هذه الشخصية التي عاصرت قيادات تاريخية سجلت اسمها في نضالات الشعوب ضد الاستعمارو اسست لاستقلال شعوبها في اسيا وافريقيا و بينها سنغور و مانديلا و الزعيم عبد الناصر و بن بلة و نهرو وعرفات وغيرهم ممن تعترف لهم شعوبهم بدورهم ومكانتهم بين الامم..لسنا في اطار الانسياق وراء تأليه القيادات والزعامات فتلك مسألة لا مجال اليها ثم ان بورقيبة توفي وشبع موتا وكل ما يدور اليوم من حديث عن شخصه مرتبط بما قدمه لوطنه قبل وبعد الاستقلال وبما فرضه من اصلاحات في المجتمع منذ اختار الرهان الاكبر واصدار مجلة الاحوال الشخصية وفرض تعميم ومجانية التعليم على الذكور والا ناث وهنا مربط الفرس و محور الاهتمام بالحدث الذي نحن ازاءه اليوم و المرتبط بذكرى رحيل بورقيبة الذي راهن و هذا الاهم على الصحة واعتماد سياسة التنظيم العائلي  و تحديد النسل و كل ما رافق ذلك من قوافل صحية و من وسائل مجانية لمنع الحمل واقرار حق الاجهاض...ولاشك انه سيكون من الضروري اليوم ان نتساءل و نحن في خضم الحرب المفتوحة على كورونا ماذا لو لم تعتمد تونس خيار تحديد ؟و ماذا لو تركت الامور للمجهول ؟و كم كان سيكون عدد التونسيين اليوم في هذه المعركة المصيرية التي يخوضها اليوم الجيش الابيض بكل اختصاصاته و اطاراته و يواجه معها كل يوم بل كل ساعة مزيد المخاطروالتحديات للتغلب على الفيروس الذي فرض على العالم حالة من العزلة القاتلة و حكم بالشلل على الاقتصاد العالمي و حرم نصف سكان الارض من حريتهم و جعلهم يعيشون في ظل قيود خانقة تحسبا للخطر ...

Sponsored Links

لا نعتقد ان الحديث عن بورقيبة يمكن ان يغيب عن التونسيين بمختلف توجهاتهم بعلمانييهم واسلامييهم و بمختلف  انتماءاتهم سواء الذين مجدوه في حياته و تقربوا منه في سطوته و نفوذه  ثم تنكروا له  بعد نهاية سلطانه و تجنبوا ذكره في ضعفه اوكذلك الذين  شيطنوه ولعنوه في العلن ثم اضطروا للتراجع و الترحم عليه و قد يكون الامر اختيارا لا اضطرارا بعد ان ادركوا قيمة الرجل عند التونسيين حتى الذين يختلفون معه ... ذكرى رحيل بورقيبة يفرض نفسه اليوم و اكثر م ناي وقت مضى على الذاكرة الوطنية لسبين على الاقل اما الاول فهو ان عامة الناس تتجه الى المقارنة بين الحاضر و الماضي و تبحث عما امكن للنخب التي احتلت المشهد بعد بورقيبة تقديمه لمجالات محددة صنعت الفارق في المجتمع التونسي و الدولة التونسية و نقصد بذلك التعليم و المؤسسة التربوية التي كانت جسرا مهما للعبورلشريحة مهمة من التونسيين  من الفقر و التخلف و الجهل الى المعرفة و الرفاهية ان صح القول باعتماد المصعد الاجتماعي لكل مجتهد اراد النجاح و تغيير واقعه المتردي و هو ما ارتبط لجيل الاستقلال و لجيل ما ما بعد الاستقلال..و لذلك يظل استعادة المؤسسة التربوية مكانتها  و اصلاح المدرسة كمنطلق  لاصلاح المجتمع هدف مصيري  وتحد كبير لا يمكن الاستهانة به ...

اما السبب الثاني و لانخاله يقل اهمية عن الاول فيتعلق بوباء كورونا و بالدور الي يضطلع به قطاع الصحة بكل مكوناته من ابسط عون فيه الى اعلى مرتبة فيه من الاساتذة و الباحثين و الذين يتصدرون الصفوف و يقودون هذه المعركة التي لا احد يعرف متى تنتهي و لاكيف ستنتهي ...و لاشك ان ما عشناه و نعيشه حتى الان منذ انطلاق الحجر الصحي يعكس خطورة هذه الحرب و ما تحتمله من سيناريوهات كارثية في حال عدم احترام الحظر ...ولعلنا لا نبالغ اذا اعتبرنا ان هذه المعركة التي فرضت على التونسيين و التي تستوجب تجند الجميع لانجاحها ما كان لها ان تكون بما هي عليه على الاقل حتى الان من ذكاء واجتهاد والتزام و من تنظيم ووعي من مختلف شرائح المؤسسة الطبية التي لا يمكن الا لناكر اوجاحد أن ينكرانها واحدة من ثمار دولة الاستقلال ومؤسسات الدولة الوطنية و انها برغم ما تسجله من نقائص وتراجع وضعف وتهميش في المناطق النائية فانها تبقى مفخرة تونس ومسارالامل الذي سيقود السفينة الى برالامان ...وهذا طبعا لا يقلل في شيء من المطالب بضرورة اصلاح و تدعيم و مزيد الاستثمار في القطاع الصحي الذي بدونه ستكون تونس كلها عليلة ..كل لك الى جانب توخي سياسة كفيلة بالحفاظ على الاطارات والكفاءات الطبية العالية التي درست و تكونت و تدربت في الجامعات التونسية ثم هاجرت البلاد املا في حياة اجتماعية افضل و التي من حسن حظ الدول التي استقبلتها و فتحت لها الاذرع  تقدم جهودا كبيرة لتلك الدول في الحرب على كورونا .. 

اليوم يناهز عدد التونسيين نحو الاثني عشرة مليون نسمة و ربما اقل بقليل ومرة اخرى علينا ان نسال انفسنا ماذا لو تعتمد تونس منذ ستينات القرن الماضي سياسة تحديد النسل و لم تعتمد التنظيم العائلي؟ و الاكيد ان بورقيبة لم يكن نبيا  يمتلك قدرات خارقة ولاهو ساحريمكن ان يخدع العامة ولكنه سياسي ادرك قيمة العقل والفكر و الحكمة فاتبعها و ابتعد عن العاطفة  ..له اخطاءه حتما ولكن له انجازاته و افكاره في التسيير و الادارة و التقييم العلمي و استباق المخاطر و اعتماد الكفاءات و هو ما ساعده في بداية المعركة قبل الاستقلال و لكن ايضا بعد الاستقلال ...

بالامس و بدون مبالغة كان بورقيبة الحاضر الغائب في مختلف المواقع الاجتماعية و نشرت له صور يكتشفها التونسيون لاول مرة و يكتشفون معها المزيد عن هذا الرجل الزعيم المحب للوطن وللحياة والادب والفن والمسرح والفلسفة والعلم وخاصة التاريخ ...و برغم توجه انظارالجميع كان صوب  تطورات انتشار في بلادنا و في كل دول العالم و رغم ان الجميع دون استثناء كان  منهك بسبب متابعة حصيلة  الفيروس اللعين  الذي لم يستثني بلدا او مجتمعا فقد كان بورقيبة الرجل و الانسان حاضرا مجددا و ليس من المتوقع ان تتوقف الاصدارات و الكتب عن الرجل في هذه المرحلة و لا في المرحلة القادمة ...

لقد دفع بورقيبة ثمن الكثير من مواقفه الحداثية الت كانت تغيض خصومه فصوروه على انه معاد للاسلام و العروبة واحد اسباب تغريب المجتمع ...و مع ذلك فقد استطاع تحقيق الاهداف التي امن بها و جهل رجال الدين و المصلحين في صفوفه و جعل تونس و على خلاف دول عربية تعاني اليوم جراء النمو الديموغرافي المتفاقم من تعقيدات امنية و اجتماعية و اقتصادية و بيئية مضاعفة ...و نحن بدورنا في تونس لا ندري كيف سيكون مجتمعنا لولا سياسة تنظيم النسل في بلد بحجم و امكانيات تونس الطبيعية و الجغرافية ..والاكيد ان أحد عشرة اواثني عشرة مليون نسمة في بلادنا ليس مثل تواجد عشرين او ثلاثين مليون نسمة على هذه الارض الطيبة ... لقد كان بورقيبة يخاطب في التونسيين عقول المواطنين  لا الرعايا و يفسر لهم اسباب التخلف و يدلهم على الطريق الى ذلك فكانت مجلة الاحوال الشخصية وكان تحديد النسل حتى لا ينسف التكاثرالديمغرافي النمو الاقتصادي...مزايا بورقيبة وحرصه على تطوير المجتمع لا يلغي نقائصه و سلبياته وربما غروره واعجابه المفرط بنفسه ووقوعه في شرك السلطة المطلقة وشرورها الكثيرة التي وقعت فيها تونس ..ما احوجنا اليوم الى استيعاب دروس المرحلة البورقيبية السابقة والعودة الى سلاح العقل ففيه مناعتنا جميعا ... فلا بديل عن مناعة العقل و تحصينه من كل الفيروسات المدمرة لكسب المعركة التي نواجهها و ما سيليها من معارك...

اسيا العتروس 

------------------------
الخبر : بورقيبة وكورونا.. واهمية مناعة العقل .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : الصباح التونسية

0 تعليق