السفير عزت سعد يكتب: مصر ودبلوماسية الأوبئة

0 تعليق 57 ارسل طباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

منذ مارس الماضى، ومع بدء نجاح الصين فى السيطرة على وباء المستجد واحتوائه، بدأت حملة واسعة لتقديم معونات إغاثة ومساعدات لمختلف دول العالم، استخدمت فيها، ولأول مرة، قواتها المسلحة فى استعراض لقدراتها العسكرية اللوجستية، التى نقلت معدات وفرقا طبية خارج الحدود لنحو 20 بلداً على الأقل من مجموع أكثر من 170 دولة وخمس منظمات دولية حصلت على مساعدات صينية من مختلف مناطق العالم، فى ظل تغطية إعلامية مكثفة فى الداخل والخارج. وفى هذا السياق تداول الكتاب الغربيون فى تحليلاتهم لهذا النشاط الصينى وإدارة بكين لأزمة الوباء، مصطلحات مثل «دبلوماسية الوباء»، «دبلوماسية القناع»، «دبلوماسية الفيروس» وغيرها، فى إشارة إلى الاستخدام الجيوسياسى لهذه المساعدات لكسب النفوذ والمكانة العالمية، فضلاً عن كونها من أدوات القوة الناعمة فى بيئة دولية تتسم بالتنافس والصراع، خاصة فيما بين الولايات المتحدة والصين.

Sponsored Links

ورغم أن الصين ذات التاريخ الحافل فى التعامل مع الأوبئة مما جعل رصيدها فى دبلوماسية الصحة العالمية ضخماً، لم تكن وحدها، فقد قدمت دول أخرى كثيرة مساعدات إنسانية، بما فيها روسيا والهند والولايات المتحدة وغيرها، إلا أن النشاط الدبلوماسى الصينى حظى بالاهتمام الأكبر بحكم القوة الاقتصادية والتجارية للصين فى عالم اليوم، بجانب بعض الاعتبارات التى جعلت النشاط الدبلوماسى الصينى متفرداً، ذلك أنه بالرغم من عدم إعلان الصين صراحة، حتى الآن، عن استراتيجية رسمية منسقة بشأن مساعداتها الإنسانية للبلدان النامية ارتباطاً بالوباء، إلا أنها بذلك جهود ضخمة فى تفعيل آليات دبلوماسية متعددة قدمت مساعداتها من خلالها. وفى هذا السياق تحركت الصين على أساس ثنائى بحت، ودون تنسيق أو مشاركة مع النظام الصحى العالمى متعدد الأطراف، والذى غاب تماماً بسبب موقف الولايات المتحدة الذى حال دون إصدار أى قرارات ملزمة فى إطار مجلس الأمن حول الجائحة والسلم والأمن الدوليين، وهو ما منح الصين ميزة استثنائية متفردة ودون مزاحمة من قوى مانحة أخرى. كذلك قدمت الصين مساعداتها ليس فقط من خلال الحكومة المركزية، بل وأيضاً من وحكومات الأقاليم والمجالس المحلية والمنظمات غير الحكومية والشركات، وعلى سبيل المثال تلقت إيطاليا معونات صينية من 20 جهة عامة وخاصة، تليها اسبانيا بــ12 جهة، وحظيت بمعونة وحيدة من بنك صينى. وقد تبرع الملياردير الصينى «جاك ما» صاحب «على بابا» بمعونات لــ150 بلدا حول العالم شملت ملايين الأقنعة لعشرات الدول حول العالم، كما قدم مساعدات بقيمة 508 ملايين دولار أمريكى للولايات المتحدة وحدها، وهو نصيب الأسد لأى بلد تلقى مساعدات صينية. أما هواوى، التى وضعتها وزارة التجارة الأمريكية على القائمة السوداء منذ مايو 2019، فقد غمرت عشرات الدول بمعوناتها، بما فيها بلدان أوروبية عدة وإسرائيل حيث يوجد لهواوى مركز للبحوث والتنمية. ويضاف إلى ذلك أن الصين منحت خبرتها الناجحة فى التعامل مع الوباء والسيطرة عليه واحتوائه، من خلال تعزيز تواصلها الدبلوماسى مع الدول والمناطق التى تجمعها بالصين شراكات وعلاقات تعاون، فى شكل مؤتمرات عبر الفيديو بين مسؤولى الصحة ونظرائهم فى أوروبا والاتحاد الإفريقى وجامعة الدول العربية ومنظمة شنغهاى للتعاون وبلدان أمريكا اللاتينية… إلخ. كما شملت دبلوماسية الأوبئة الصينية اتصالات مكثفة على المستوى الرئاسى والوزارى بقيادات عدد كبير من الدول الصديقة، على رأسها مصر وروسيا وإيطاليا وصربيا وفرنسا وغيرها، حيث تم التأكيد على التضامن لمواجهة الجائحة والتعاون فى التعامل مع آثارها، بما فيها التعاون المشترك لإنتاج اللقاح اللازم للتغلب عليها. بل إن المساعدات الصينية لم تقتصر على البلدان والنظم المستقرة بل شملت مناطق الصراعات والتوتر مثل سوريا والعراق وفنزويلا وأفغانستان والصومال وليبيا وغيرها.

فى المقابل قد لا يعرف الكثيرون أن الصين، وقبل أن تقدم مساعداتها للخارج وقت اشتداد الأزمة ومحاولاتها السيطرة عليها، تلقت معونات ومساعدات متنوعة من نحو 80 دولة حول العالم، منها دول فقيرة أو حتى الأكثر فقراً، من بينها مثلاً طاجيكستان وقيرجستان وباكستان وسيريلانكا وبنجلاديش ونيبال وأفغانستان. وكان ملفتاً أن تكون اليابان، ومعها كوريا الجنوبية، وهما الدولتان الحليفتان لواشنطن، فى مقدمة الدول التى قدمت مساعدات متنوعة للصين وأرسلت المعونات تحت شعارات مؤثرة عكست الارتباط العاطفى فيما بين شعوب القارة الآسيوية رغم التباينات والتجاذبات السياسية فيما بين الحكومات. وقد دفعت هذه المواقف البعض إلى القول بأنه من بين الجوانب المشرقة القليلة التى أتى بها هذا الوباء هو الكيفية التى حققت بها اليابان والصين من حدة العداء العميق الجذور بينهما من خلال «دبلوماسية الأقنعة».

وعلى حين اتسمت ردود الفعل الغربية على «دبلوماسية الأوبئة» الصينية وكذلك الروسية بالسلبية فى مجملها ووصفها بالحملة الدعائية العدوانية التى لن تجعل الصين قوة عالمية وأنها «لعبة جيوسياسية» تستغل الصين الجائحة بموجبها لتحسين وضعيتها الدولية، إلا أن الكثيرين من كتاب الغرب اعترفوا بأن سوء إدارة الأزمة من قبل الولايات المتحدة ودول أوروبية عديدة قد وفر للصين فرصة هائلة للظهور بمظهر القوة العالمية المسؤولة والموثوق بها. وقد عززت حملة المساعدات التى قدمتها بكين حقيقة مفادها أن الكثير مما يعتمد عليه العالم فى مكافحة المستجد يجرى تصنيعه فى الصين، وهو ما وفر لها أداة قوية لسياستها الخارجية.

وفى الختام، كنت أتمنى أن يكون عدد الدول المتلقية للمساعدات الطبية الرمزية المقدمة من مصر أضعاف العدد الذى تداولته وسائل الاعلام (الصين وإيطاليا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وجنوب السودان وكينيا والكونغو الديمقراطية وزامبيا) للاعتبارات المشار إليها عاليه، خاصة فى ضوء مكانة مصر الإقليمية والدولية التى تفرض عليها التزامات بإظهار تضامنها مع الدول الأخرى فى هذه الظروف الاستثنائية. أما القول بأنه ما كان ينبغى تقديم مثل هذه المعونات الرمزية للحاجة المحلية إليها، فإنه ينطوى على فهم قاصر وأغراض سياسية مغلوطة أبعد ما تكون عن مصالح مصر العليا ووزنها الاستراتيجى ودورها التاريخى.

  • الوضع في مصر

  • اصابات

    32,612

  • تعافي

    8,538

  • وفيات

    1,198

------------------------
الخبر : السفير عزت سعد يكتب: مصر ودبلوماسية الأوبئة .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : المصرى اليوم

0 تعليق