يحيا بالواسطة ويرحل وحده

0 تعليق 39 ارسل طباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

يعيش الفرد مع الناس لكنه يموت وحده، تماما كما يولد وحده. وفى ظل انتشار الفيروس تتجسد هذه الحقيقة فى غرف عناية مركزة، وحتى جنازات، معزولة. هكذا سيكون الحال مع الجموع التى ملأت الحدائق والشواطئ فى الكثير من أنحاء العالم بعد تخفيف الحظر وقدوم أجواء الربيع. الأحباء والأصدقاء سيقضون الساعات والأيام معا احتفالا بالحياة.. لكن من سيصاب ويتأزم فى زمن الوباء فسيرحل وحده. هذا هو الحال فى «الدول المتقدمة» كما سيكون الحال عندنا. مع ذلك هناك فروق مهمة. التجمعات الكبيرة فى الغرب مكونة من مجاميع كثيرة، لكن كل مجموعة عادة ما تضم عددا محدودا من الأحباء والأصدقاء المقربين. فى مصر العائلات و«الشلل» أكبر. هذه الروح القبائلية السائدة لها انعكاسات مهمة، ليس فقط على انتشار الوباء إنما أيضا فى طريقة التعامل معه على المستوى التنظيمى.

Sponsored Links

الحظر فى بعض الدول، مثل فرنسا وإيطاليا وبريطانيا، تم تخفيفه بعد أن ظل لمدة صارما- شاملا لمعظم النشاطات، وليس فقط ليليا كما فى مصر- وبعد أن انخفض عدد الحالات الجديدة بطريقة ملحوظة (فى فرنسا مثلا من حوالى عشرة آلاف حالة يوميا فى بداية شهر إبريل إلى بضع مئات حاليا). مع ذلك، هناك تحذيرات من «موجة ثانية»، قد تضغط على النظام الصحى مرة أخرى كما حدث فى إيطاليا فى بداية الازمة.. فرغم أنه من الصحيح أن كل شخص يموت وحده، فقبل أن يرحل يتحمل المجتمع تداعيات تصرفاته.

ذلك على الأقل فى الدول التى يسود فيها مفهوم «المجتمع»، ليتمثل فى روابط الواجب بين المواطنين، النابعة من شعور بمصير مشترك رغم كونهم «أغرابا»، وينعكس فى طبيعة ونظام الدولة وإدارة مؤسساتها. أما فى مصر الإنسان لا يعيش كفرد، أو ضمن أسرة صغيرة فى مجتمع، إنما مع (ومن أجل) العشيرة والمحاسيب، غالبا على حساب المجتمع (المزيد فى «ثمن المجتمع الغائب» 09-05-2020).

وفى المقابل فإن التجمع الأكبر، ممثلا فى بعض مؤسسات الدولة مثلا، قد لا يبالى كثيرا بمصلحة الفرد. فهذه المؤسسات أيضا تضم أشخاصا قد لا يكونون مؤمنين بوجود مجتمع يجب صيانة المصلحة العامة فيه، أو بوجود أفراد لهم آدمية يجب احترامها؛ لأن الرؤية القبائلية لا تعترف كذلك بوجود أفراد مستقلين: العالم من خلالها مقسم لقبائل، مجسدة فى تجمعات الأقارب والمحاسبب المتصارعة مع بعضها على المنفعة الضيقة؛ هذا العالم ليس مكونا من أناس مستقلين، يتمتعون بحقوق إنسانية يضمنها عقد اجتماعى ينظم علاقتهم بمجتمع «الأغراب».

فى ظل هذه الظروف ستتم محاولة «العودة للحياة الطبيعية»، مع ترديد أن «العالم» يسلك هذا الاتجاه. رغم أن فى مصر لم يكن هناك حظر صارم، أو التزام تلقائى، ورغم أن أعداد الإصابات عندنا فى تضاعف مستمر؛ كل ما حدث هو أننا استطعنا تطويل زمن التضاعف من أسبوع إلى أسبوعين تقريبا.. ورغم ذلك النجاح المحدود فمنظومتنا الصحية المتهالكة وصلت إلى الحدود الأقصى لقدرة استيعابها؛ أى ما وصلت إليه إيطاليا خلال ذروة الازمة وفرض الحظر هناك.

لكن ذلك «الوصول» ليس له بالضرورة نفس المعنى هنا؛ فمن ضمن أسباب الشعور بتأزم الأوضاع «هناك» كانت أسئلة ذات طبيعة فلسفية- أخلاقية. مثل: عندما تصل طاقة الاستيعاب لحدها الأقصى كيف سيتم اختيار من سيوضع فى غرف الإنعاش ومن سيترك لقدره.. فى مصر، مثل هذه الأسئلة يتم الفصل فيها منذ حين فى الإطار القبائلى المسيطر: من سيتم وضعه فى الغرفة ليس بالضرورة من لديه الفرصة الأكبر فى الشفاء والحياة الطويلة (كما استقر الرأى فى الغالب فى الغرب)، إنما عادة سيكون من لديه القوة القبائلية الأكبر.. فى مصر الإنسان يرحل وحده أيضا فى النهاية، لكنه يحيا بالمحسوبية والواسطة.

  • الوضع في مصر

  • اصابات

    22,082

  • تعافي

    5,511

  • وفيات

    879

------------------------
الخبر : يحيا بالواسطة ويرحل وحده .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : المصرى اليوم

0 تعليق