د. منصور الجنادى يكتب: ثقافة الحركة.. والجمود

0 تعليق 40 ارسل طباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

ما معنى «الحركة بركة»؟

Sponsored Links

أوراق الشجر تتحرك بفعل الريح.

الكلاب تهز ذيولها عندما تفرح.

الأطفال يتمايلون تلقائيًا عند سماع الموسيقى.

كل ما فى الكون يتحرك، إلا الجماد. فالجماد جمود.

ومن لا يتحرك يتجمد، وينتقل من إنسان إلى شبه جماد.

الحركة ليست فقط مشيًا وقيامًا وقعودًا. ولكنها أيضًا جهد وركض وقوة.

الحركة النشطة، حياة وفيرة، ونُدرتها وداع للحياة.

فما هى الحركة؟.. الحركة ملء للفراغ. الحركة أوامر يُصدرها المخ لعضلات تتقلص وأخرى تنبسط فتتجاذب الهيكل العظمى، وتعيد تشكيله. قد تذهب به يمينًا ويسارًا، وقد تقفز به إلى أعلى، أو تجذبه إلى أسفل. وإن صاحب الحركة إيقاع طبل أو لحن آلات، صارت الحركة سطوة إنسان على الزمان وسيطرة بشر على بُطئه وسرعته، بالإضافة إلى ملء الجسم لفراغ المكان والرسم فى فضائه بالألوان. وهذا هو الرقص.

الرقص يمارسه الصوفى الذى يبحث عن التوحد مع نور الله، بالدوران حول نفسه تعبيرًا عن الأبدية، أو الفلاح المصرى فى حلقات الذكر، بتحرير جسده من حركة الحقل الرأسية إلى حركة أفقية مع إيقاع «الله حى»، أو الأبٌ فرحًا بعرس ابنته. لا يهم من يرقص وكيف ولماذا. المهم هو انتصار الحياة على الجمود.

الرقص كأى سلوك بشرى يجب أن يخضع لضوابط المجتمع. وهنا ينقسم العالم إلى فلسفات وثقافات، كالثقافة الصينية على سبيل المثال. الساعة الثامنة صباحًا فى الكثير من حدائق أوروبا؛ سواء فى البرد أو فى الحر؛ فى المطر أو فى الثليج، يقف الصينيون فى حدائق العالم شرقًا وغربًا، وليس فى بلدهم فقط؛ يوميًا وبدون استثناء، لأداء تمرينات رياضية لمدة نصف ساعة، تُنشِّط عضلات جسم الشاب وذوى الثمانين عامًا على السواء. بعدها قد يبدأون بممارسة «التاى تشى 24»، أو غيرها من البرامج الكثيرة التى يعرفونها بأسماء وأرقام، وذلك فى أحضان خضرة الحديقة وهوائها العليل، وحفيف الأشجار، وزقزقة العصافير. غالبية الحضور لم تعد تقتصر على الصينيين الذين لا يتقاضون أى مقابل لهذا النشاط، وإنما أصبحوا من شتى الجنسيات الأخرى. أعجبتهم الفكرة فانضموا إلى الانضباط فى الحضور، وقرروا التعرف على ثقافة جديدة، واكتشاف العلاقة بين الجسم والذهن والطبيعة. قرروا أن يتحركوا مع الزمن، ويهجروا جمود الجسد، الذى هو جمود للعقل.

الحركة جزء من حضارة الصينيين منذ عشرات القرون. الحركة جزء محورى فى ثقافتهم، بوذية كانت، هندوسية أو طاوية. حركات مدروسة مرتبطة بالتأمل الروحى والراحة النفسية، وهدوء التنفس وعمقه، شحنًا للطاقة، وتصالحًا للجسم مع نفسه.

فترة التمارين الصباحية هذه قبل ذهاب الصينيين إلى أعمالهم، هى حركات ثرية بتنوعها، قوية بنعومتها؛ تأملات روحية تمتزج بالحياة الأرضية، كمحاكاة حركة الحيوانات من أجل اكتساب مهاراتها، سرعة كانت أو ذكاءً أو قوة، أو تكتيكات للدفاع عن النفس.

لا تقتصر أهمية الحركة على أن ثقافة الحركة صحة، وثقافة الجمود مرض، وإنما الحركة هى أيضًا ذكاء (تنشيط للدورة الدموية وإمداد للمخ بالغذاء)، وتواصل اجتماعى، وارتقاء بالوعى لأن المكان الذى تملؤه الحركة، والزمان الذى تضبط الحركة إيقاعه، هما إحداثا الوعى وأبعاده. الرقص ارتقاء بوعيك بنفسك، أى أنه مزيد من الإدراك بـ «من أنت»، وتأكيد لهويتك، زمانًا ومكانًا.

لذلك فالثقافات التى تعتبر الجمود وقارًا والحركة هوانًا، هى ثقافة تحكم على أبنائها بالمرض صحيًا، وبغياب الوعى ذهنيًا. لا يمكن بالطبع أن يكون هذا عن قصد أو عمد، وإنما تتطور الثقافات فى سياقات تاريخية مختلفة، لكل منها ما لها وما عليها، فتهتم بأمور، وتسقط منها سهوا أمورٌ أخرى.

الثقافات القوية الفتية تستدرك سهوها وتجدد نفسها. فإن كانت الحركة بركة فعلًا فلا بد من مباركتها، وممارستها فى إطار قيم المجتمع طالما كانت هى قيم الحياة، وخاصة إن كانت الحركة جزءا أصيلا من التراث، وليست غريبة على المجتمع ولكنها كانت كامنة فى حاجة إلى من يُخرجها من تحت الرماد، ويُجليها لتسترجع بريقها، كما فعل محمود رضا فى الستينيات. بحث فوجد كنوز الحجالة فى سيوة، والبمبوطية والسمسمية فى بورسعيد، والدبكة فى سيناء؛ والتحطيب والخيل وغيرها من رقصات النوبيين والفلاحين والصعايدة على أنغام حلاوة شمسنا، والعتبة جزاز، وهلا هالله ع اللَّمونة، وآدى رقصة المجنونة.

كجميع الثقافات العظمى، ثقافتنا ثقافة حركة، وليست ثقافة الجمود.

  • الوضع في مصر

  • اصابات

    16,513

  • تعافي

    4,628

  • وفيات

    735

------------------------
الخبر : د. منصور الجنادى يكتب: ثقافة الحركة.. والجمود .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : المصرى اليوم

0 تعليق