الارشيف / أخبار مصر / أخبار عاجلة

الأمير هاشم الدندراوي يكتب: بالالتزام تنهض الشعوب وتُبنى الدول

اشترك لتصلك أهم الأخبار

يواجه العالم كلّه اليوم على امتداد أوطانه وشعوبه جائحةً وبائية، تُقلق الحكومات وتشغل العلماء والأطباء وتحيّر عقلاء الناس وعامة أهل الأرض. ورغم أن الجنس البشرى يواجه عدوًا أدقّ من أن يُرى بالعين المجردة، وأوهن من أن يعيش بعيدًا عن حاضن، إلا أنه عدو يخلخل النظام العالمى ويهدّد فى الصميم مرتكزاته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية.

Sponsored Links

منذ سنوات خمس بدأت الأسرة الدندراوية بإقامة منتدى ثقافى كل عام، تتزامن فعالياته مع الاحتفال بالإسراء والمعراج النبوى فى قرية دندرة. إن هذا المنتدى، فضلًا عن إسهامه فى الحراك الثقافى والاجتماعى فى جنوب مصر بشهادة الضيوف المشاركين من أدباء ومفكرين وصحفيين، إلا أن الغاية منه هى مدّ جسورٍ للتواصل بين النخبة العالِمة المثقفة وبين القاعدة الشعبية المنفتحة على طلب المعرفة. وذلك عبر طرح موضوعات غائبة عن الوعى العام والعمل على استعادتها إلى دائرة الفهم والإدراك ومن ثَمّ التحرُّك بها فى مجتمع الإنسان. وقد كنا اخترنا لهذا العام موضوع «الالتزام»، إلا أنه بسبب التباعد الاجتماعى الذى فرضته علينا مستلزمات الوقاية الصحية، وحرصًا منا على حياة الناس وسلامة أبدانهم، فقد ألغينا منذ أسبوعين المنتدى الثقافى لهذا العام.

أما الأسباب التى دعتنا لاختيار الالتزام موضوعًا فهى عديدةٌ أشير إلى اثنين منها: السبب الأول هو رجحان ثقافة الحقوق والحريات – عالميًا ومحليًا – على ثقافة الواجبات والالتزامات؛ رغم أن الواجب مقدّم على الحق، فى المشترك العقلانى وفى الاجتماع الحضارى. والسبب الثانى هو قناعتنا بأن الحلّ للكثير من الأزمات – الشخصية والجماعية – مفتاحه بسيط، وغالبًا ما يكون الالتزام. وقبل أن نتابع مع بيان مزايا الالتزام ونجتهد فى تزيينه للعقول المنصفة، نتوقّف لنعرّفه فنقول: الالتزام هو قيام الإنسان بملء إرادته بواجبٍ شرعى دينى أو بواجبٍ مدنى حياتى؛ وذلك دون أى إكراه من سلطة خارجية. كأن يقوم المرء مثلًا بتأدية قيم الإسلام من مسلك عبادة وسلوك خلق ومنهج تعاون ومنهاج تلاحم بدافعٍ ذاتى وبمشيئةٍ حرّة، ودون أى إكراه من الوالدين أو المربين أو الدولة. وكذا، فى مجال الالتزام بالواجبات الدراسية أو بتكاليف العمل ومتطلباته أو بإرشادات الدولة فى الأزمات الصحية والاقتصادية والسياسية وغير ذلك.

نصل الآن إلى مربط الكلام وجوهره وهو الثمرات التى يجنيها الإنسان الملتزم بواجباته الحقّة، سواء على مستوى ذاته أو عائلته أو مجتمعه أو وطنه وأمته. ومن النظر فى أحوال الناس فى الالتزام ومآلاتهم نرصد أربع ثمرات، نتذاكرها معًا – بإشارات مختصرة – علّها تكون بصائر لنا وللناس: الثمرة الأولى.. اكتساب الملتزم حلية العقل فى نظر محيطه الإنسانى. فالإنسان الذى يلتزم مثلًا بإرشادات الدولة للحدّ من انتشار فيروس الكورونا اليوم، هو إنسان عاقل فى أعين الجميع. والعكس صحيح، فمن يخالف جهارًا وعمدًا التعليمات المشدّدة، إما تحديًا أو ادعاء أو استهتارًا أو استكبارًا فهو الإنسان الأحمق الأرعن الذى يشكل خطرًا على نفسه وعلى الناس من حوله.

الثمرة الثانية.. النهوض الإنسانى على صعيد الذات والجماعة. إن الإنسان الملتزم ونظرًا لكونه يقوم بما يلتزم به ديمَةً، فإن المداومة تقيم النظام وتحسّن التأدية وتراكم المحصّلة، مما يحقق للشخص نهوضًا لا يكاد يتوقعه. وفى الوقت نفسه، يلفت إليه انتباه العشير والجار والرفيق والصديق ويولّد لديهم الرغبة فى المشى على خطاه للنهوض بالوجود الإنسانى. الثمرة الثالثة.. حراسة الحرية الذاتية. لقد خلقنا الله تعالى أحرارًا، ودفعت البشرية أثمانًا غالية دفاعًا عن الحريات والحقوق الأساسية. ومع ذلك فإن لم يلتزم الإنسان من تلقاء ذاته بالتوجيهات الحكومية فى خضم أزمة عامة، كما اليوم مثلًا أزمة الكورونا، فإن الدول – حتى الكبرى منها حاملة لواء الحريات والحقوق – تصادر حرية الشخص وتلزمه بالقوانين والأنظمة وتمنع حركته وتحجر تنقّله إلا فى حال الضرورة المبرّرة. ومن هنا، فإن الإنسان بالالتزام يحرس حريته الذاتية من أى قهر أو إلزام. الثمرة الرابعة.. حفظ الكرامة الإنسانية. لقد كرّم الله تعالى الإنسان فى الأرض، وأعلنت المواثيق الدولية هذه الكرامة الإنسانية وأنها حق لكل إنسان دون أى تمييز. ومن أدلّ الأشياء على الكرامة الإنسانية أن يقوم المرء بأعماله كلها طوعًا لا كرهًا.

فتأدية الواجب طوعًا تحفظ كرامة الإنسان وتعفيه من مهانة أن يُساق إلى تأدية الواجب بالقوة والسطوة. بناءً على هذه الثمرات الأربع نصل إلى لطيفةٍ لغويةٍ مفادها: أن الالتزام (الطوعى) والإلزام (القهرى) هما مفردان يشتركان فى جذرٍ لغويٍ واحد، ولا فرق بينهما إلا حرف واحد، هو حرف التاء. ولكن هذا الحرف على محدوديته إلا أنه يحيط برباعيةٍ حَكَمِيّةٍ ذهبيةٍ مجموعةٍ من مزايا أربع هى: حلية العقلانية، والنهوض الوجدانى والوجودى، والحرية الذاتية، والكرامة الإنسانية.. كل ما تقدّم هو معرفة وازنة ترضى العقول وقد تغيّر الأفكار أو بعضها، إلا أنها إن لم تغادر مصاف الكلام النظرى لتتنزل فى الواقع المعاش، فإنها تُنسى مع أى كلام جديد يأسر العقل بمنطقه.. لذا، نحرص نحن فى الأسرة الدندراوية على تحويل المفاهيم الحياتية إلى مواد للتجارب الشخصية؛ لأجيال الإنسان الأربعة. وختامًا نقول؛ لقد آن الآوان لنا نحن كمصريين وعرب وسكان كوكب واحد مع البشر كافة، أن نحمل مسؤوليتنا ونجعل موضوع الالتزام من أولويات اهتماماتنا، وأن يستقر فى يقين كل واحد منا أنه بالالتزام تنهض الشعوب وتُبنى الدول.

* رئيس مراكز دندرة الثقافية

------------------------
الخبر : الأمير هاشم الدندراوي يكتب: بالالتزام تنهض الشعوب وتُبنى الدول .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا