الدكتور يوسف مكى يكتب: عالم يتغير

0 تعليق 131 ارسل طباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

نقلًا عن جريدة «الخليج»

Sponsored Links

المشهد فى مختلف مدن العالم يبدو كئيباً، وحزيناً، وفريداً. فلأول مرة فى التاريخ البشرى، تتقطع أوصال المدن، وتتوقف الحركة، ولا تعود طبقة الأوزون تشكو من عبث الإنسان المعاصر بها. مشهد لو جرى الحديث عنه قبل قليل من الأشهر لكان توقع ما جرى أقرب إلى المستحيل. ساحات نيويورك، ولندن، وروما، وباريس، وواشنطن، وبون، وموسكو، بل وباختصار، جميع مدن العالم فارغة. ونحن فى مرحلة لا نستطيع التوقع فيها إلى أين، ومتى ستعود الأمور إلى سابقها، فنمارس حياتنا المعتادة. إنها بحق مرحلة سيادة اللا أدرية. لقد فعل بنا المارشال ، ما لم يستطع أى كائن حى فعله بالتاريخ. على أن تصور أن تعود الأمور، فيما بعد كورونا، إلى سابق عهدها، هى رؤية غير واقعية، لأنها غير تاريخية. فليس بمقدور أحد، كائناً من كان، أن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء. لقد أكدت تداعيات كورونا أن صراع الإنسان ضد الطبيعة ليس محكوماً دائماً بالنجاح، وأن احتمالات الفشل واردة عند كل محطة، لكنها أيضاً كشفت عن قدرة استثنائية للبشر على التحمل. من كان سيصدق أن سكان المعمورة، فى أغلبيتهم، سيتحملون ما جرى، ولن يجدوا ملجأ لاستمرار الحياة سوى العزلة؟

كشف الوباء أيضاً عن مخزون هائل من الحماس، لدى بعض الدول، ليس لتجاوز معضلة الوباء لديها فقط، بل والمساهمة بقوة وفاعلية فى إنقاذ الجنس البشرى. وتكشف أنه حيث تحل الفوضى الاقتصادية، وما يعرف بالاقتصاد الحر، يتراجع الاهتمام بمعاناة الناس، رغم الضجيج العالى فى الحديث عن الحرية، والكرامة، الإنسانية. ذلك ليس تحليلاً، بل تؤكده خريطة انتشار الوباء على مستوى العالم، والسرعة والتباطؤ فى التعاطى معه.

لقد جرى الحديث طويلاً، منذ بداية التسعينيات عن نهاية الأيديولوجيا، وتمادى بعضهم بالقول إن ما نمر به هو نهاية التاريخ، بمعنى أن ما سيسود هو نظام سياسى واقتصادى واحد. وأن البشرية لن تبحث عن خيارات سياسية، أو اقتصادية، أو نظم اجتماعية جديدة. ولم يكتشف أولئك أن هذا القول هو ضد العلم، وسنّة التطور، وقدرة الإنسان على الإبداع، وإعمال الفكر.

نحن فى محطة جديدة من التاريخ الإنسانى، أشرنا لملامحها منذ سنوات عدة، حين تحدثنا عن حتمية بروز نظام عالمى جديد. بل وناقشنا بعض ملامحه فى هذه الصحيفة. لكننا قلنا فى حينه إن هذا النظام لن يحدث بالضربة القاضية، وإنه سيتحقق بصيغة التراكم، واستمرار الاختلال فى موازين القوة الدولية. وقد اعتبرنا انتشار ظاهرة الإرهاب فى العالم، والحروب الإقليمية، مرحلة انفلات تسبق انبثاق النظام العالمى الجديد.

وعللنا أسباب التأخير فى انبثاق النظام العالمى الجديد بالاحتكام إلى التاريخ، وأشرنا إلى أن كل نظام عالمى هو نتاج حروب عالمية، وسقوط إمبراطوريات، وقيام أخرى على أنقاضها. ذلك بالتأكيد ما كان ليحدث بسبب وجود سلاح الردع النووى، وعدم قدرة الكبار على خوض حروب مباشرة فيما بينهم. وكان بديلهم عن ذلك هو حروب الوكالة.

لكن الوباء حسم الأمر، ولم تعد هناك، من أجل أن ينبثق نظام دولى جديد، حاجة لاستخدام الطائرات، والصواريخ العابرة للقارات، وأسلحة الدمار الأخرى. لقد تكفل المارد الصغير بحسم الأمر، وتقصير مسافة المخاض لانبثاق عالم جديد.

من يمكن أن يجادل الآن أن اقتصادات العالم، ونظمها السياسية، وأنماط حياتنا الاجتماعية ستبقى على ما هى عليه، بعد الوباء. كيف يمكن القول بمثل ذلك، وقد تعطلت الحياة الاقتصادية بالكامل. وهناك بلدان تعتمد فى دخلها على السياحة تدنى دخلها إلى مستوى الصفر؟ المارد الصينى وحده يتحرك يمنة، ويسرة، فى مختلف القارات، فى أوروبا، وآسيا، وإفريقيا، مقدماً الخبرات والمساعدات فى مواجهة العدو اللدود، كورونا.

وبتحركه يرسم خريطة العالم الجديد. وينهى صفحة هيمنة اللون الأبيض على العالم بأسره، صفحة امتدت قرابة قرنين من الزمن. ألم نسمع مناشدة معظم زعماء العالم، بمن فيهم ترامب، للصين للتدخل، وتقديم خبراتها، لمكافحة الجائحة؟

لن يعود للشركات متعددة الجنسية، ولا لاقتصاد السوق، مجدها، وألقها. وسيبرز من جديد، لكن بأشكال أخرى، عصر تمتزج فيه الأيديولوجيات مع مطالب العدل الاجتماعى، والشراكة فى صنع القرار بين الشعوب، والبناءات الفوقية. وستتشكل تحالفات جديدة. وليس بعيداً أن تفك بعض الدول الأوروبية، كإيطاليا، وفرنسا، وألمانيا، تحالفها عن اليانكى الأمريكى. لقد تأكد فشل «الناتو» فى تقديم الحد الأدنى من الدعم لأعضائه فى هذه المحنة. وسيبقى هذا الحديث مفتوحاً إلى أجل غير مسمى، إلى حين انقشاع الغبار.

------------------------
الخبر : الدكتور يوسف مكى يكتب: عالم يتغير .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : المصرى اليوم

0 تعليق