محطة الأتوبيس (قصة قصيرة).. رانيا سامى

0 تعليق 41 ارسل طباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

على محطة الأتوبيس في ذلك الحى الشعبى، تقف الحاجة سنية كما يناديها الجميع.. الشهيرة بـ «أم محمد»، سيدة بدينة في أواخر الثلاثينيات من عمرها... ترتدى عباءة سوداء مرصعة بالترتر وتغطى شعرها بإيشارب مزركش بألوان متداخلة كثيرة.. تتدلى من صدرها دلاية رسم عليها «ما شاء الله»... يمسك بيديها اليمنى طفل صغير «محمد» نحيل الجسد، قصير القامة، أكرت الشعر، أسمر البشرة، يتراوح عمره بين ٤-٦ سنوات... رزقت به بعد سنين طويلة من العقم واللف على الدكاترة وأخذ علاجات كثيره وحقن... حطوا فيها اللى وراهم واللى قدامهم... زوج الحاجة سنية أرزقى على باب الله... كان يعمل فرد أمن بمصنع... استغنوا عنه حين علموا بمرضه بفيروس سى في الكبد... فأصبح قعيدا طريح الفراش دون أي دَخْل يستطيع أن يصرف به على البيت... معتمد على زوجته «أم محمد» كلية، فهى تعمل صباحًا عاملة في المستشفى... وبعد الظهر تذهب للخدمة في بيت أسرة ثرية... لكى توفر لزوجها فلوس علاجه في معهد الكبد... حتى ابنها محمد الذي ظنت أن الدنيا عوضتها به بعد صبر طويل... الدكاترة أخبروها أنه عند ولادته حدث له نقص في الأكسجين أدى إلى تلف في خلايا المخ... وأخبروها أنه سيعيش معاقا طول العمر متأخرا عن من سنه ذهنيًا وحركيًا ولغويًا.

Sponsored Links

ظلت الحاجة سنية على محطة الأتوبيس تبحث بين الحين والآخر عن أتوبيس تعرفه جيدًا كل يوم تذهب به إلى العباسية، حيث تعمل في مستشفيات الجامعة... ولكنها اليوم ستركب نفس الأتوبيس وستذهب إلى مستشفى الجامعة، لا إلى عملها، ولكن لتتسلم نتيجة التحاليل التي أجرتها منذ يومين عندما أغشى عليها في عملها...

أخيرًا، جاء الأتوبيس الذي تنتظره... وهب الطفل «محمد» واقفًا من قرفصته ورفع يده عاليًا إلى أمه لكى تحمله... وبحركة بهلوانية سريعة في الهواء قفزت أم محمد إلى الأتوبيس وهى تحمل ابنها على كتفها... حتى وصلا إلى مستشفى الجامعة... تعدو مسرعة بخطى واسعة إلى الدكتور الذي تعرفه جيدًا، والذى طلب منها التحاليل... تجده يخبرها أن عندها «سرطان بالدم في مرحلة متأخرة»... وأنها تحتاج إلى زرع نخاع...

تخرج الحاجة سنيه من عنده وهى تحمل ابنها المعاق... وهى تبكى.. فيراها الطفل الصغير فيقول لها: ما (يقصد ماما) وهو يربت على كتفها ويمسح دموعها... سرحت الحاجة سنية في عمر قد ينقضى بدون أن تتحقق نصف أمانيه... في حياة خلصت قبل جنى ثمارها...

ووقفت مرة أخرى لتنتظر نفس الأتوبيس الذي سيعود بها هي وابنها إلى البيت... وجاء الأتوبيس مرة أخرى ولكنه أخذها هذه المرة لوحدها وترك ابنها محمد وحده في الدنيا... لقد ماتت الحاجة سنية على نفس المحطة التي عاشت عمرها كله تتنقل بين أتوبيساتها... تحلم أن تركب أتوبيس منهم ينقلها إلى عالم آخر ترتاح فيه من همّها وفقرها ومرض زوجها وابنها...

وكان هو أتوبيس خط الدنيا / الآخرة..

------------------------
الخبر : محطة الأتوبيس (قصة قصيرة).. رانيا سامى .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : المصرى اليوم

0 تعليق