مَنْسِىٌّ (قصة قصيرة).. سمير العصري

0 تعليق 36 ارسل طباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

من أُولِى الأرحامِ المنسيين، لا أتذكرُه ولا أراه أو يرانا إلّا في هذا المقام.

Sponsored Links

يظهر فجأةً، مُتجسدًا في الفراغ؛ ألمحه للوَهْلة الأولى مُقبلًا علىّ؛ يصافحُنى بيدٍ باردةٍ؛ يُلصقُ على عجلٍ خدّيه بخدى على التتابعِ مرددًا اسمى مُعزّيًا، بَيْنَما أهرِف بلا شىء، ورائحةُ الحَنوطِ المُريبةِ المنبعثةِ من لحيتِه الخفيفة تتسلّلُ إلى خياشيمى. ينشغِل بنزعِ المَيْتِ من النَّعْشِ؛ يشاركُ في تغييبِه في القبر؛ ثُم بعد ذلك؛ يُعاوِنُ بهمّةٍ مُتعهّدى الدّفنِ في غَلقِ القبرِ بالآجِر والخَرَسانة.

يتحرّكُ بخفّةٍ ونشاطٍ في بَدلته الصّيفيةِ النظيفةِ الكالحةِ، ومَداسِه المُهترئ المطينِ؛ يُعِدّ خليطَ الرّمال والأسمنت؛ يُناولُ قالبًا من الطّوب، حتى آخرِ قطعةٍ من الآجر تُناسبُ تمامًا آخرَ ثغْرةٍ في الجدار الذي يَفصِل بين الدَّفينِ وعالمِ الأحياء. بحِرصٍ وعِنَايَة؛ يتأكّد من تمام انسِدادِ فُوهةِ القبْر.

بعد الدّعاءِ للمُتَوَفى وانصرافِ آخرِ المشيِّعين؛ ودائمًا ما أتخلّفُ قليلًا للدُّعاءِ منفردًا، يتناولُ حصاةً يغرسُها في جدار القبْر الطّرى ليُسطّرَ بخطِّ نسْخٍ ردىء: «انتقلَ إلى رحمةِ الله تعالى في جُمادى.. الموافق.. سنة..؛ ثُم يُعقِبُ ذلك باسمِ المُتَوَفّى».

يتراجعُ إلى الخلفِ قليلا دون أن ينظر تجاهى، يُمعِنُ النظرَ فيما كتبَه وقد اِكْتَسَى وجهُه بأمارات الرضا.

لمْ يُخطئْ أبدًا في اسم أي من ذوى قُرباهِ المتوفين؛ يكتبُه دَومًا رُباعيًا مُذيَّلًا بلقبِ العائلة.

يُداخِلنى في كل مرّةٍ شىءُ من الاشمئزازِ والنّفورِ، وكأننى أرى على وجهه الصّفراوى الثعلبىّ الممصوصِ ابتسامةً خفيّةً وهو يُتمّمُ بيده ويربّتُ على الجدار ليتأكّد من تمامِ غلقِ القبر على قاطنِه، ينْتفِش منخارا أنفِه ويرتفعُ حاجباهُ وهو يتناولُ الحصاة التي يَخطُّ بها تاريخَ الوفاةِ واسم المُتَوَفّى؛... كان آخر الرَّعيلِ الأَوّل من ذوى قرباه.

لطالما كرِهتُ تلك اللحظات، وأخذتْنى دوّامةٌ من الحيرَةِ في أمر هذا القريبِ الغريبِ وطبيعة ما يُضمِره، تمنّيت أن أموتَ وأْدفنَ بعيدًا.

لأول مرّة، كان علىَّ التّبكيرُ لفتحِ فُوَّهةِ قبرٍ في حَوزتنا، لتهويتِه وإعدادِه بفرشِ الرّمال في أرضيّته.

هيّأت أمام القبر مقطفين من الرمال، ونصفَ جِوالٍ من الأسمنت، ودلوًا مملوءًا بالماء، وكميةً لا بأس بها من الآجر.

تمت بسرعةٍ عمليةُ تغييب المُتَوَفّى في القبر، وقد بَدا في كفَنهِ هزيلًا ضئيلًا، وبينما كان يُلقنُه أحدُهم داخلَ القبر بما يُجيبُ به المَلَكَيْن حين يسألانِه، أمرتُ بإعدادِ الخَرسانةِ بخلطِ الرمال بالأسمنت؛ وأشرتُ بأن تُزاد كميةُ الأسمنت في الخليط، وَدِدْتُ لو كانت الخرسانةُ مُسلّحةً بأسياخِ الحَديد.

ناولتُ الحانوتيَّة بنفسى بهِمّة قوالبَ الطوب، نبّهتهم أن يكون الجدارُ بعرضِ طوبةٍ كاملةٍ. لم يَفُتْنى سَدُّ الثّغرةِ الأخيرة.

مرّرتُ بكفى بارتياحٍ أتمّمُ وأربتُ على الجدار للتأكدِ من تمام انسدادِ فُوّهةِ القبرِ، تنفّستُ الصُّعداء.

بعد انصرافِ آخرِ المشيّعين، دُرتُ أبحثُ عن حصاةٍ لأخُطَّ بها على جدار القبر تاريخَ الوفاة، انتفشَ منخارا أنفى؛ وارتفع حاجبايَ وتهيّأتُ؛ ولكم كانت دهشَتى بالغةً عندما اكتشفتُ أنّنى لا أذكرُ اسمَ المَنْسِى.

------------------------
الخبر : مَنْسِىٌّ (قصة قصيرة).. سمير العصري .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : المصرى اليوم

0 تعليق