بلغت من العمر أرذله (مقالة قصصية)

0 تعليق 55 ارسل طباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

عندما يتقدم والدك ووالدتك فى العمر، فأنت تواجه مشكلة حقيقية، والمشكلة ليست فى تذكر معاودة السؤال عنهما أو الزيارات العائلية المتقطعة أو شعورك بمسؤولية حل مشاكلهم الخاصة والبسيطة، وأن تضيف متطلباتهم فى جدول همومك اليومية. ولكن المشكلة الحقيقية عندما تمر وتتوالى السنون ويقترب أو يتخطى أحدهما أو كلاهما الثمانينات من عمره، وأنت بالتالى لم تعد فى سن الشباب، وقد تكون فى أوائل الخمسينات أو الستينيات من عمرك ولديك مشاكلك العائلية والمادية فى أسرتك الصغيرة وعملك!.

Sponsored Links

وتفاجأ أن أباك وأمك فى هذا العمر لم يصبحا كما كنت تراهما على مدار سنين طويلة وأنت فى سن الطفولة أو الشباب! والتغير ليس فقط فى الضعف البدنى العام، أو ضعف السمع أو وهن البصر، ولكن أكثر ما يصيبك من حيرة واكتئاب هو بداية واستمرار تدهور حالتهم النفسية والعقلية.

وأتذكر أنى كنت مدعوا لحفل غذاء، وكانت تجلس بالقرب منى سيدة مسنة عمرها حوالى 90 عاما، وكانت تشتكى من سوء طعم اللحم والدجاج بصوت مرتفع ليسمعها الجميع، وقالت بصورة عفوية: «أنا لا أعرف ماذا تأكل البهائم والفراخ هذه الأيام؟.. اللحوم ليس لها أى طعم!.. «شىء مقرف.. فين أيام زمان!» وعندما ظهر الحرج والاستياء على وجه صاحبة المنزل همست لها مواسيًا: طعامك كان أكثر من رائع!.. لا تغضبى!.. ألم تلاحظى ضعف سمعها!.. هى فى مثل هذه السن قد فقدت جزءا كبيرا من حاسة الاستطعام والتذوق مثلما نفقد جزءا من حاستى السمع والبصر!.. معظم المسنين يرفضون أكل الدواجن واللحوم لهذا السبب.. وقالت والغضب على وجهها: حاسة «التذوق».. هى أصبحت عجوز كئيبة ليس عندها أى «ذوق» فيما تقوله. زمان.. «توتو».. حماتى كانت شخصية قوية ومتزنة.. سيدة جميلة بمعنى الكلمة.. وسبحان مغير الأحوال.. هى تتصور أننا ما زلنا أطفالا ولها الحق فى أن توبخ من تشاء وتقول ما تريد!.. تصور يا دكتور.. أنها الشهر الماضى وكنا فى عيد الأضحى.. قالت لـ «سميرة» سلفتى وهى تشير لطبق «الفتة» وكان الطبق الرئيسى على مائدة الطعام.. شكلها وطعمها مثل «الطراش- القىء».. «مقرف»!.. وعندما ضحك الجميع قال زوجى لينهى الحرج.. أنا عاوز شوية «طراش» وقطعة لحم «مسلوقة»!.. واستطردت وهى تضحك.. «مقرف» عندها أصبحت ملازمة لعدم الرضى!.. مثل «أسامة» ابنك أصبح ولد «مقرف».. فهو لا يرد على كلماتى!.

وابتسمت وأنا أشير بإصبعى إلى رأسى قائلا: طبعا عقولنا تخف!.. مع تقدم العمر جزء من مخنا يشيخ ولا يعمل.. مسكينة.. هذا جزء بسيط من أعراض مرض نطلق عليه «خرف الشيخوخة- senile dementia» وفى الحالات المتقدمة لا ينفع له أى علاج!.. لكن ليس كل المسنين بمثل هذه الحالة من سلاطة اللسان!.

وقالت وهى تنظر للفراغ: مشاكلنا وهمومنا أنا وزوجى مع الأولاد ليست بتصاعد المشاكل المادية والأسرية مع السنين فقط، ولكن مشكلتى النفسية الحقيقية هى حماتى، بصحتها المتدهورة ولسانها اللاذع.. نعم.. أطباء وأدوية.. آلاف الجنيهات.. ولكن.. أنا آسفة.. أكثر ما يضايقنى من بعد كلماتها القاسية أنها أصبحت كثيرا ما تتبول على نفسها وهى نائمة!.. زوجى يذكرنى بسورة الإسراء «وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما».. لكن أنا أعتقد أنها تحفظ هذه الآية عن ظهر قلب وتستغلها أسوأ استغلال مع أولادها!.

واعتدلت فى جلستى قائلا: ولكن.. أنا عندى سؤال.. الأعمار بيد الله.. كيف تتصورين نفسك وأنت فى التسعينيات من العمر؟ وضحكت قائلة: أكثر من تسعين سنة.. «فال الله ولا فالك».. أنا أدعو الله أن تأتى ساعتى وأنا مازلت أقف على أرجلى ولا أحتاج شيئا من أحد.. حتى من أولادى!.. وأدارت رأسها وهى تنظر إلى حماتها بتمعن وقالت بمرارة: سأطلب من أولادى الآن وأنا فى كامل عقلى إذا أصبحت مثل حماتى أن يضعونى فى دار للمسنين، وإذا لم أترك نقودا لهذا فأنا أقر وأوافق بشدة على ما تطلقون عليه «الموت الرحيم» إذا تدهورت صحتى وأدخلونى المستشفى!.. ولكن للأسف ونحن فى شيخوخة متقدمة لا نملك قرارا لأنفسنا!.. وكانت تهم لتقف لإحضار الفاكهة والحلوى وقالت:.. أنا فى أوائل الخمسينيات وقرارى الآن فى يدى ولكن إذا أطال الله فى عمرى ثلاثين أو أربعين سنة.. صدقنى.. سأكون قد زرعت هذه الأفكار فى رؤوس أولادى..!

وعندما تركتنى قلت فى نفسى: «الموت الرحيم».. أستغفر الله.. كيف يختلف ويتباين تفكير الناس فى كيفية حياتهم وهم مسنون!.. لكن.. قطعا عندها وجهة نظر!.

(2)

كنا نجلس فى الصالون عندما قال «عماد» صاحب المنزل:.. أنا سعيد إن ماما خرجت أخيرا من حجرتها وحضرت معنا الغذاء.. مسكينة.. ترفض استخدام سماعة الأذن.. وعدم مشاركتها فى الحديث يجعلها تبدو وحيدة وتهرب من الناس! وابتسم قائلا: عندى صورة لها فى شبابها وقت الملك «فاروق» وهى ترتدى المايوه على شاطئ «سيدى بشر»!.. أنا بفضل أمى وتعبها وصبرها أصبحت فيما أنا عليه الآن.. أنا أجلس على أرض الحجرة أمام أولادى لأقص أظافر أرجلها بعد أن أساعدها فى الاستحمام!.. يا دكتور يجب أن يفهموا أن «الدنيا سلف ودين»!.

وقال أحد الحاضرين، لماذا فى وقتنا الحالى كثر عدد المسنين؟!.. وعندما نعلم بوفاة أحد وهو فى آخر الستينيات أو أوائل السبعينات نشعر أنه فعلا مات صغيرا!

فقلت: هذا بسبب التقدم الحضارى فى وسائل تشخيص وعلاج جميع الأمراض ويقابله ارتفاع كبير فى الوعى الطبى بين الناس.. هناك حوالى 5 ملايين أمريكى أعمارهم 85 عاما أو أكثر حسب آخر الإحصائيات!

وقال آخر:.. أنا أعتبر نفسى «شباب المعاشات».. فى أوائل الستينات.. ولكن إذا بلغت التسعين من العمر.. آه.. هذا يساوى ثلث عمرى!.. شىء مقلق!.. هل سيكفينى معاش الحكومة؟!.. ومن فعلا سيعتنى بى!.. ليس عندى أولاد!!

وضحك أحدهم بمرارة قائلا:.. أنت رجل محظوظ.. كلما كبر أولادك كبرت مشاكلهم!.. وأكثر ما يحبطك هو الشعور أنك فى الكثير من الأحيان تصبح مجرد متفرج لما يحدث من حولك!.. واستطرد وهو يضحك:.. ستتعلم أن تستمتع بحياتك.. بأولاد أو بدون أولاد.. يجب أن تعرف أن لكل سن جماله وما يسعده!.. ستعلمك الأيام أنه لا يوجد شىء حقيقى مما مر بك كان يستحق الندم أو البكاء!.

وقلت: أنا كطبيب أنظر لمريض تجاوز الثمانينات كأنه «لغم» قد ينفجر فى أى لحظة!.. وأصر على عمل عشرات الأبحاث والتحاليل لأعرف موضع خطوتى القادمة فى العلاج.. والمشكلة أن رأينا وعلاجنا كثيرا ما يختلف مع كل زيارة للمريض.. فهذا وكان قلبه يبدو طبيعيا أصبح يعانى من هبوط بالقلب بمجرد إصابته بالتهاب رئوى حاد.. وآخر قد يظهر عليه علامات فشل كلوى كأثر جانبى لدواء ما.

ولكن أكثر المسنين احتياجا للرعاية على مدى الـ 24 ساعة هم من أصيبوا بدرجة من مرض فقد الذاكرة «الزهايمر». فهم يحتاجون لمتابعة ورقابة عائلية مستمرة!.

وقال أحدهم إن رعاية وعلاج المسنين فعلا شىء باهظ التكلفة.. وللأسف الأعداد فى زيادة مستمرة، وكل حكومات العالم تواجه مثل هذه المشكلة وتحاول أن تحلها.. فلا يعقل أن تنتهى حياتنا ونحن شيوخ معذبون!.

وضحك أحدهم قائلا: فى الماضى قال على بن أبى طالب «لو كان الفقر رجلا لقتلته».. ولو كان ينظر لحالنا لآن لقال «لو كانت الشيخوخة رجلا لقتلته».. هى فعلا مرض العصر وستزداد سوءا فى العصور القادمة!.

* أستاذ القلب– جامعة القاهرة

------------------------
الخبر : بلغت من العمر أرذله (مقالة قصصية) .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : المصرى اليوم

0 تعليق