الحاكمية المغلوطة

0 تعليق 39 ارسل طباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

نجح بعض ممثلى الإسلام السياسى فى الوصول إلى الحكم، كل فى بلده، وأمكن لبعضهم تشكيل النظام السياسى وفق أيديولوجيتهم ومصالحهم، خاصة فيما يتعلق بالحاكمية، كما صاغها أبو الأعلى المودودى، ونقلها عنه أو انتحلها سيد قطب، جرى ذلك فى باكستان مع ضياء الحق، الذى أعدم ذو الفقار على بوتو، مؤسس المشروع النووى الباكستانى، وقد مات ضياء فى حادث طائرة، قيل إنه كان مدبراً للخلاص منه، وحدث فى السودان الشقيق مع عمر حسن البشير سنة 1989، الذى أثبت أنه كان ابنا نجيبا للإسلام السياسى، وقد أطيح به فى ثورة شعبية دعمها الجيش السودانى، فى إبريل 2019، وكان قادة الجيش قرروا أن ينفضوا يدهم منه، حين صارحهم بأنهم على المذهب المالكى، وذلك المذهب يجيز لولى الأمر- كما قال هو لهم- أن يتخلص حتى من ثلث الرعية، لتجنب الفتنة وليعش الباقون!!

Sponsored Links

وحدث فى مصر خلال العام الذى تولى فيه الإخوان الحكم، لقد حكم مبارك طيلة ثلاثين عاما، وفى النهاية هب حوالى 12 مليون مصرى يوم الجمعة 11 فبراير 2011 يطالبونه بأن يترك الحكم، وقد استجاب، أما الإخوان فخلال سنة واحدة قام ضدهم أكثر من ضعف العدد الذى تحرك ضد مبارك، ولم يستجيبوا فأقصاهم الشعب.

غير هذه النماذج الثلاثة، هناك نماذج أخرى عديدة فى أكثر من بلد، ولنا أن نتساءل عن مدى نجاح هؤلاء فى الحكم، ومقاييس النجاح معروفة، ويمكن أن نختصرها فى أربع قضايا رئيسة، وهى: هل نجح هؤلاء فى الحد من الاستبداد، وبناء مجتمع يمكن أن يخطو نحو تداول السلطة وتُحترم فيه الحريات الأساسية للإنسان وللمجتمع؟ هل استطاع أى من هؤلاء تحقيق تنمية تنهض بالمواطن وتحد من مستويات الفقر والعوز أو توفير الاحتياجات الأساسية لمعيشة المواطن؟

هل تمكن هؤلاء، كل فى بلده، من مواجهة الفساد والمفسدين، أم منح الفساد مشروعية وجعله قاعدة أساسية للحكم؟ هل استطاع هولاء الحفاظ على التماسك الوطنى وحدود الوطن وسيادته أم فتحوا الباب للانقسام والتفتت والتدخل الأجنبى؟

الإجابة فى كل الحالات سوف تكون بالسالب، فقد تراجعت معدلات التنمية وارتفع معدل الفساد وتجذر، فضلا من غياب تام للحريات واختفاء تداول السلطة، ناهيك عن اهتزاز السيادة الوطنية لكل بلد، انفصال جنوب السودان عن شماله وقت حكم البشير وبسبب سياساته واضح لنا جميعاً.

وهنا لابد للمرء أن يتساءل: من أين تأتيهم هذه الثقة وذلك الجبروت الذى يدفع صاحبه إلى عدم الاهتزاز أمام فقدان نصف مساحة بلده ولا يرتعد ضميره من غضب ملايين المواطنين، ناهيك عن انهيار معدلات التنمية ومستويات دخل المواطن؟!

هؤلاء جميعاً يتصورون أنهم قائمون على تنفيذ الآية الكريمة «إن الحكم إلا لله» وسائر الآيات التى اعتبروها آيات الحاكمية، ومن الناحية العملية، يصبح الحكم للتنظيم أو للجماعة أو للشخص الذى أجلسه التنظيم فى هذا الموقع. تأمل حالة الرئيس البشير، قضى ثلاثة عقود كاملة فى موقعه، ومُنى السودان بالعديد من الكوارث فى عهده، هو شخصياً ملاحق من الجنائية الدولية، ومع ذلك كان يتصرف بثقة مطلقة، يريد تعديل الدستور ليظل فى موقعه، ولما اشتدت الاعتراضات يطلب ببرود قتل 30% من المتظاهرين، ويرى أن المذهب المالكى، أى الدين، يجيز له ذلك، وبعد أن تم خلعه عن الحكم يقول إنه ربما أصيب بدعوة مظلوم، أى أنه لا يدرك حجم ما جلبه على بلاده وشعبه من ويلات.

تأمل كذلك الخطاب الأخير للرئيس المعزول محمد مرسى، كان تقدير الموقف الذى قدمته القيادة العامة للقوات المسلحة ينبه إلى ضرورة الاستجابة لمطالب المواطنين بتغيير الحكومة، الأطراف الدولية تنصحه بالاستجابة للمطالب و... و...، لكنه- بناء على أمر مكتب الإرشاد له- يرفض ويصر على أنه هو الشرعية ودونها «رقبتى»، هذه الثقة المطلقة لأنه، هو ومن شابهه، يتمثلون أنفسهم فى الآية القرآنية الكريمة، وعندها لا يرون الشعب ولا مطالب الناس، يرون أنفسهم فقط، ويحملون الآية الكريمة معهم، وكأنهم وكلاء عن الله سبحانه وتعالى.

وإذا عدنا إلى القرآن الكريم، وفى مجال حكم الله، نجد بعض المحددات أو السمات لذلك الحكم، ففى سورة الرعد، الآية 14، نقرأ قوله تعالى: «والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب»، هنا الحكم، قد يكون بمعنى القضاء والقدر، ومن ثم فإن حكمه نهائى وقاطع، لا مجال للتعقيب عليه أو المراجعة فيه، إنه أمر إلهى صارم، بل إن مراجعته وعدم الرضا به يعد لدى البعض نقصا فى الإيمان، وهذا بالتأكيد غير الحكم السياسى، لكنهم يأخذون النص القرآنى إلى أيديولوجيتهم ولا يذهبون هم إلى مقاصده.

وفى سورة الكهف، الآية 26، نجد قوله تعالى: «ما لهم من دونه من ولى ولا يشرك فى حكمه أحداً»، هنا نص صريح ومباشر أنه لا أحد يشترك مع الله فى حكمه، هو أمر خاص به وحده.. وفى القرآن الكريم كذلك يرد أن الله فعال لما يريد، أى ما يريده هو، لا ما يريده ولا ما يطلبه أو يتطلع إليه الآخرون، المواطنون، وهذا طبيعى فى مجال الخلق، خلق الكون وسننه، وتحديد مصير الإنسانية والحياة عامة لسائر الكائنات الحية، ولكن..

إذا أخذنا هذه السمات من مجال الخلق والكون كله إلى المجال الاجتماعى والسياسى، فإننا سوف نجد الحاكم البشرى، أى الإنسان، لن يشرك معه أحدا فى الحكم، لا برلمان ولا مستشارين ولا هيئات قضائية ولا حكومة ولا أجهزة رقابية، ولا رأى عام، لا أحد بالمرة، هو وحده فقط!!

أما فى مجال التنفيذ والفعل، فإنه يفعل ما يريده هو أو ما يتصور هو، لا ما يريده المحكومون، أى الشعب، لن يفعل لهم أى شىء، وليس مطالبا أمامهم بأى شىء، لأنه لن يحاسب أمامهم، ولن ينال موافقتهم ولا رضاهم، فهو جاء باختيار إلهى، ممثلاً لحكم الله، هنا تنتفى كلمات ومصطلحات مثل: المواطن.. الفرد.. الإنسان.. الشعب.. المجتمع، بل ينتفى كذلك الوطن ذاته، لذا وجدنا جنوب السودان ينفصل عن شماله ولم يمتعض أو يهتز ممثل الحكم الإلهى بالسودان آنذاك.. ولا اهتز المحيطون به، وفى مصر زمن حكم الإخوان كان معدل التنمية فى هبوط، والسياحة فى تراجع، والاحتدام الطائفى ملتهب، والملايين فى الشوارع، ولم يطرف للإخوان جفن، بل راحوا يهددون ويتوعدون، وعلى منصة رابعة العدوية سمعنا منهم أن سيدنا جبريل تنزل بينهم، رغم أن الوحى انقطع باكتمال نزول القرآن الكريم، أى انقطاع نزول جبريل إلى الأرض، وسمعنا من رأى فى المنام أن رسول الله يقدم محمد مرسى لإمامة المصلين، رغم أن الرسول لم يدع أحداً ولم يقدم أحداً لإمامة الصلاة فى وجوده، وإنما سمح لأبى بكر بالإمامة فى مرضه الأخير، حين لم يكن قادراً على القيام.

هذه الهلاوس التى انتابتهم، لأنهم تمثلوا الآية الكريمة: «إن الحكم إلا لله» ففسروها: إن الحكم إلا للمرشد أو من يختاره المرشد.. فاللهم قنا شر الفتنة فى الدين.

لكن هل هذا ما أراده الله لنا فى مجال تنظيم المجتمع والدولة، وهل هو مطلب قرآنى بالفعل؟!

بالتأكيد لا.. لم يرد الله لنا، بل إن هذا الفهم والتعامل المتعسف مع القرآن الكريم ونصوصه يتناقض مع روح الدين.

------------------------
الخبر : الحاكمية المغلوطة .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : المصرى اليوم

0 تعليق