الثبات الانفعالى المصرى

0 تعليق 44 ارسل طباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

«الثبات الانفعالى» مفهوم مستعار من التعبيرات الرياضية التى تميز بين اللاعبين والمدربين فى الألعاب الرياضية عامة، وكرة القدم خاصة. والمقصود هو قدرة الرياضى أو اللاعب على التكيف مع الظروف المتغيرة للمباراة بما فيها من كر وفر، وهجوم ودفاع، وهزيمة ونصر، وحماس للجمهور وبرود صامت منذر بلعنة آتية. وهناك بالتأكيد العديد من المعايير التى يقيَّم بها اللاعبون من الموهبة إلى المهارة إلى اللياقة البدنية إلى السرعة فى الفهم والأداء إلى اتساع الرؤية؛ ولكن الثبات الانفعالى لا يقل أهمية عن كل ذلك لأنه يعنى التوازن فى العواطف، فلا تنفرج بشدة ساعة الفرحة الناجمة عن تسجيل هدف على سبيل المثال، ولا تضيق بكثرة ساعة الحزن عندما يكون الهدف فينا فى مثل آخر. الفرحة الشديدة والحزن العميق كلاهما يشوه القدرات، ولا يجعلانها تؤدى بأفضل الأداء، وكلاهما يحرف العقل بعيدا عن التفكير المتوازن والقدرة على التقدير. وما يصدق فى ذلك على الأفراد فإنه، وإلى حد كبير، يصدق أيضا على الجماعة والأمة؛ وفى حالتنا المصرية فإن الشكوى الدائمة من مبالغة الحزن، ومعه جلد الذات؛ ومبالغة الفرح ومعه غياب العقل، هما من مثالب القدرات العامة التى تظهر أحيانا فى الغياب الكلى مثلا عن حضور مباريات الفريق القومى كما جرى فى مبارياته الأخيرة، والآن الاعتقاد المفاجئ أن فريقنا الأولمبى الذى أحرز نصرا مستحقا بكأس الأمم الإفريقية وجرى تأهيله إلى الدورة الأولمبية فى طوكيو يمثل الرجولة المصرية فى أحسن أحوالها (المقارنة هنا بالفريق الأول الذى يعتبر الرجولة هكذا فى أسوأ حالاتها)، وأن ما فى الفريق من الشباب والبراءة والطهارة ما يكفى للحصول على ميدالية أولمبية.

Sponsored Links

.. وخلال فترة قصيرة من الزمن لا تتعدى أياما، انتقلت فيها مصر من حالة انفعالية سلبية تماما فيها الكثير من الخوار واليأس؛ إلى النقيض فى أقصى اتجاه آخر يستلزم المرور على كل محافظات مصر بالكأس، والانتظار الواعد لقوافل المريدين من الأندية العالمية المقبلين على شراء لاعبينا الجدد، أشرقت شمس الكرة المصرية كما لم تشرق من قبل.

التطرف فى كلتا الحالتين لا يعد فضيلة، وفى كلتيهما بُعد عن «الثبات الانفعالى» المطلوب، والذى ليس مطلوبا فقط فى كرة القدم أو الألعاب الرياضية فى مجملها، ولكنه مطلوب أيضا فى التعامل مع ما هو أكثر أهمية فى القضايا الوطنية الكبرى. وضع الأمور فى أحجامها الحقيقية ضرورة لأن فى ذلك ما يضمن التقدم خطوة بعد أخرى على طريق من التقدم فى الحياة، والفوز فى المباراة، والانتصار فى المعركة. ولعل التذبذب الشديد فى الحالة الانفعالية المصرية من أول أنه «مفيش فايدة» إلى أن المصريين لهم «كاتالوج خاص»، و«شفرات لا توجد» لدى غيرهم تجعل النصر قادما لا محالة. وهكذا تنقل كل القضايا المطروحة من مجال العلم والتفكير المنطقى إلى مجالات أخرى خاصة بالمشاعر والروح المعنوية والإرادة التى لا تظهر إلا ساعة الشدائد. وفى الدول المتقدمة فإن الأصل فى كل الموضوعات والقضايا هو ألا تكون هناك أزمات من البداية، ولا شدائد من الأصل؛ وإذا كان هذا وذاك راجعًا لنقص الموارد البشرية أو المادية، فإن القضية العلمية تكون هى: كيف تتوافر هذه الموارد بالكم والكيف الذى نريده، فلن ينفع ساعتها البكاء على لبن مسكوب، ولا الغوص فى أحلام اليقظة أو المنام. الأخطر من ذلك فى غياب «الثبات الانفعالى» هو فقدان المعرفة بالزمن الحقيقى، فاللاعب الذى يدخل فيه هدفا يتمنى استمرار المباراة إلى ما لا نهاية؛ أما إذا كان فريقه هو الذى أحرز هدفا فإنه يريد للمباراة أن تنتهى فورا، ويصير الزمن ضاغطا فى كل الأحوال. وفى الحياة العملية فإن أكثر ما يتساءل حوله المصريون عندما يعلن عن مشروع قومى- هو: متى سوف يصل عائده إلى جيوبهم؟ أما إذا كان متصورا ضرورة الاشتراك فى التأمين الصحى فإنه يريد للأمر أن يتم على درجات ومراحل زمنية لعلها تطول.

«الثبات الانفعالى» فى مرحلة المباراة أو بناء الوطن من شروط اللحظة التى يبغى فيها معرفتنا الدقيقة بأنفسنا، وتاريخنا، وتجاربنا السابقة، بحيث يصير ذلك جزءا من المعرفة العامة التى تضع التوازن بداخلنا من ناحية، وتضع الثقة من ناحية أخرى فى نفوسنا أن القادم سوف يكون أفضل لو كان الجهد والفكر كافيا ونبيلا. فكثيرا ما نتحدث عن ثلاثة آلاف عام من المجد الفرعونى دون أن نعرف الكثير عما فعله هؤلاء الفراعنة الذين اهتم بهم كل العالم بينما انزوى لدينا فى المتاحف؛ ورغم فخرنا بالفراعنة الذين باتوا اسما رمزيا للمنتخب القومى، فإن الواقع هو أنهم بضاعة للسائحين الذين حتى وقت قريب كانوا هم الذين قاموا باكتشافهم وتمويل البعثات العلمية للبحث عنهم. وهناك ثلاثة آلاف عام أخرى حكمنا فيها أجانب دون أن نعرف أين كنا فى هذه الأزمنة التعيسة؛ وحينما جاء محمد على لكى يبدأ مسيرة مصر الحديثة فإن قصته الحقيقية وما كان فيها من مجد «فتح عكا»- هى ما فعله لكى يفعل المصريون ما فعلوه، وهى قصة بقدر ما هى مثيرة فإنها حزينة، فلم يكن تحديث المصريين بالأمر السهل. قصص نجاح أخرى قام بها الخديو إسماعيل وسعد زغلول وجمال عبد الناصر وأنور السادات وحسنى مبارك، بعضها كان لفترات قصيرة، وبعضها الآخر لفترات أطول، وكان فيها الانغلاق بقدر ما كان فيها الانفتاح، ولكن خلاصتها أن حالنا الآن بحلوه ومره هو خلاصة ما جرى مع كل هؤلاء. والمدهش أنه لا يوجد فى سجلات التاريخ المصرية المعروفة للمصريين نتائج التحقيق فيما جرى لا فى فترة الهزيمة بعد يونيو ١٩٦٧، ولا فترة الصمود فى حرب الاستنزاف بعد ذلك، ولا فى فترة الإنجاز الكبير فى ١٩٧٣ وما تبعها من مفاوضات استردت سيناء كاملة. ما لدينا سير للبطولة فى المعارك الكبرى من بورسعيد إلى العبور، والإنجاز فى البناء من السد العالى وحتى أنفاق القناة الجديدة، ولكن هناك القليل عن السباق الذى يضع منجزاتنا وإخفاقاتنا أيضا فى مسار الثبات الانفعالى الذى يضع كل الأمور فى مساراتها النسبية فى سباقاتنا مع دول وأمم أخرى فى العالم، وهذه تقول لنا إننا قطعنا جزءا من الطريق، ولكن ما بقى لن يقل صعوبة.

------------------------
الخبر : الثبات الانفعالى المصرى .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : المصرى اليوم

0 تعليق