النشاط العقارى فى مصر وأولويات التنمية

0 تعليق 50 ارسل طباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

إن الدراسة الواعية لأوضاع الاقتصاد المصرى تفصح بوضوح عن أن النشاط العقارى «لا أقول الاقتصاد العقارى» هو أكثر الأنشطة انتعاشا ونموا وجذبا لمدخرات واهتمام غالبية أبناء المجتمع ومؤسساته. هذه الحقيقة لها آثارها السلبية التى يتعين الانتباه إليها وتفاديها.

Sponsored Links

إن أولويات الاقتصاد المصرى فى المرحلة الحالية لا بد أن تكون لصالح التصنيع من أجل التصدير والتعليم. وعندما أقول إن الأولويات لا بد أن تكون لصالح هذين القطاعين، فإن ذلك لا يعنى إهمال القطاعات الأخرى كالزراعة والخدمات الأساسية وأيضا القطاع العقارى... الخ، إلا أن الخطر أن يكون للنشاط العقارى بالذات الأولوية على القطاعات الأخرى، خاصة على القطاع الصناعى من أجل التصدير. وقطاع التعليم، كما أن ذلك لا يعنى إهمال أهمية أحد فروع النشاط العقارى وهو الخاص بالفئات الاجتماعية ذات الدخل المحدود.

إن مدخرات الاقتصاد المصرى لا تتجاوز 15% إلى 16% من الناتج المحلى وهى من أضعف المعدلات إذا ما قورنت بمعدلات الادخار فى دول أخرى إذ تصل فى الصين وكوريا الجنوبية إلى ما يقارب 30%. القدر الأكبر من هذه المدخرات يتجه إلى النشاط العقارى حيث يتبدد جزء منه نتيجة لما يحدث فى هذا النشاط من مضاربات وارتفاع مستمر ومغالى فيه فى الأسعار، وجزء آخر يعتد به يتجه إلى الإسكان الفاخر فى صوره المختلفة، الأمر الذى يحرم قطاعات هامة لها أولوية مثل الصناعة والتعليم من حصولها على نصيبها من هذه المدخرات بما يتفق مع مالها من أولوية. وهذه هى السلبية الأولى والخطيرة لما نشاهده من نمو مغالى فيه فى النشاط العقارى. إن السيد الفاضل وزير الإسكان والمجتمعات العمرانية الجديدة له أن يفخر وله أن يسعد بنمو النشاط العقارى الذى يشرف عليه، والذى يحقق دخلا متعاظما لوزارته عن طريق التوسع فى الأراضى الصحراوية بإنشاء المرافق العامة وبيع هذه الأراضى الصحراوية بأسعار تتجاوز كثيرا تكلفة هذه المرافق. دون أن يعطى الاهتمام الكافى لما يؤدى إليه ذلك من مضاربات وارتفاع فى الأسعار تغذى ما يعانيه الاقتصاد المصرى من تضخم، ودون أن يأخذ فى الاعتبار ما يعانى منه وزير الصناعة والتجارة وزميله وزير التعليم من ضعف المدخرات التى تتجه إلى القطاعات التى يشرفون عليها، والتى من المفترض أن تحظى بالأولوية إذا أردنا حقا أن ننطلق لتحقيق التنمية المستدامة، وأن نصلح هيكل الاقتصاد وطاقاته الإنتاجية وأن نصلح من أوضاع ميزان المدفوعات والموازنة العامة للدولة.

لقد قرأت فى جريدة الشروق مقالا للباحث عمرو عادلى بتاريخ 18/7/2016 عن الاقتصاد العقارى ومشكلة التنمية فى مصر، أكد فيها أن القطاع العقارى لا يصلح مبدئيا أن يكون قاطرة النمو والتنمية فى مصر، إذ إنه، كما أوضح، قد يولد بعض النمو القائم على المضاربة فى أسعار الأراضى الصحراوية وزيادة الطلب على الصناعات المغذية له مثل الأسمنت وحديد التسليح والطوب وبعض البتروكيماويات والاخشاب والالومنيوم والادوات الصحية.. الخ، إلا انه لا يصلح كأساس وكأولوية للتنمية فى بلد بظروف مصر، وهذا ما اتفق عليه معه.

إن المشكلتين الأساسيتين اللتين يعانى منهما الاقتصاد المصرى فى الوقت الحالى هما عجز الموازنة العامة وعجز ميزان المدفوعات، والنشاط العقارى بأوضاعه الحالية قد يساهم بقدر للتخفيف من عجز الموازنة العامة عن طريق زيادة حصيلة الضرائب العقارية إذا أحسن تصميمها وتحققت كفاءة تحصيلها، وعن طريق ما تحققه وزارة الإسكان والتعمير من أرباح نتيجة تحديدها لأسعار بيع تتجاوز التكلفة إلى حد كبير، دون مراعاة لما قد يؤدى إليه ذلك من تغذية لمعدلات التضخم وتقليل ما يوجه من مدخرات المجتمع إلى القطاعات ذات الأولوية من صناعة من أجل التصدير ومن تعليم، أما عن تأثير النشاط العقارى على ميزان المدفوعات فهو سلبى للغاية إذ إن ناتج النشاط العقارى لا يمكن تصديره ونقله إلى الخارج، كما أن قدرا متزايدا من مستلزماته يتم استيراده من الخارج، مما يعنى أن تأثيره الصافى سالب على الميزان التجارى ومن ثم على ميزان المدفوعات. حقيقة أن قدرا من الاستثمار العقارى أو قدرا من شراء ناتج النشاط العقارى قد يقوم به الأجانب من شركات وأفراد مما يعنى مزيدا من تدفق النقد الأجنبى مما يساهم إيجابيا فى ميزان المدفوعات، إلا أن هذه التدفقات مع الترحيب بها فى الأجل القصير، إلا أن ما يتحقق من معدلات أرباح مرتفعة فى هذا القطاع فى الوقت الحالى نتيجة ليس فقط زيادة الطلب الذى يعكس احتياجا حقيقيا، ولكن زيادته نتيجة المضاربة واتخاذ العقار مخزنا للقيم، وهذا يعنى زيادة فى معدلات ما يحول من هذه الأرباح إلى الخارج فى الاجل المتوسط والطويل، فضلا عن قيام الكثير من الشركات الأجنبية العاملة فى القطاع العقارى فى مصر من بيع ما تقوم بتشييده وتحويل عائد البيع إلى الخارج، الأمر الذى يؤكد فى النهاية أن أثر النشاط العقارى على ميزان المدفوعات هو أثر سلبى.

والدعوة إلى من يخطط لاقتصاد مصر أن يعى هذه الحقائق وأن يوجه موارد هذا الاقتصاد بما يخدم أولوياته، وهى مرة أخرى التصنيع بمعناه الواسع من اجل التصدير، والتعليم. لقد استمعت إلى حديث السيد رئيس الوزراء مع المذيعة اللامعة لميس الحديدى يوم الاثنين 24/10/2016، ومن الواضح أن سيادته يرحب بما يحدث فى مصر الآن من توسع فى الاستثمار العقارى، وحجته أن ما تنفقه وزارة الإسكان والمجتمعات العمرانية الجديدة يتم بتمويل من خارج الموازنة العامة، متجاهلا أن التمويل يتم خصما من مدخرات المواطنين الذين يتكالبون على شراء الأرض لأغراض المضاربة، وهذا أخطر إذ يؤدى إلى حرمان قطاعات لها أولوية كالصناعة والتعليم من نصيبها فى هذه المدخرات، ومتجاهلا ما يسود القطاع العقارى من مضاربات تؤدى إلى المغالاة فى أسعاره مما يؤدى إلى تغذية ما يعانيه الاقتصاد المصرى من تضخم. وبعبارة أخرى فإن التوسع فى الاستثمار العقارى الذى نشاهده الآن فى مصر، وفى هذه الظروف الصعبة، يتعارض مع ما يجب أن نتبعه من أولويات لصالح الصناعة والتعليم، وتتجاوز سلبياته، وبقدر كبير، ما قد ندعى به من إيجابيات.

ووفقنا الله لما فيه خدمة مصر وشعبها.

* وزير الاقتصاد الأسبق

------------------------
الخبر : النشاط العقارى فى مصر وأولويات التنمية .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : المصرى اليوم

0 تعليق