حين أصبح «التحكيم» ضرورة

0 تعليق 31 ارسل طباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

كان الوصول إلى التحكيم والقبول بالحاكمية موقفا عمليا أكثر منه موقفا أيديولوجيا أو حتى دينيا، رغم أن على بن أبى طالب لم يكن راغبا فى ذلك، وقال للخوارج فيما بعد حين اتهموه لقبوله المحكمين: «عصيتمونى وأكرهتمونى حتى حكمت»، وقد حاول على أن ينهى القتال وفق الطريقة العربية القديمة، أى التى كانت متبعة فى عصر ما قبل الإسلام، وهو أن يتبارز القائدان، ومن يُقتل منهما يعد منهزما هو وقبيلته، وهكذا نادى على ذات يوم على معاوية يدعوه للمبارزة، وهنا أدرك معاوية قصد على فرفض، ذلك أن معاوية كان سمينا ولم يكن فارسا مثل على، واتهمه عمرو بالجبن عن مواجهة على، فرد عليه: هل طمعت فيها يا عمرو؟! هكذا على المكشوف، ثم نزل عمرو بن العاص لمبارزة على وأفلت عمرو من القتل على النحو الذى روته كتب التاريخ، فما أن أجهز على عليه أبرز عمرو سوءته، فتنحى على، وكان معنى رفض معاوية المبارزة أن يستمر القتال ويأخذ مجراه النهائى، وبات واضحا أمام كل طرف أن الحسم لن يتم بالسيف والقتال حتى لو انتصر أحدهما فى صفين.

Sponsored Links

إذا انتصر جيش على فلابد أن يتقدم نحو الشام وبلادها متسعة وممتدة، وأهلها باتوا من أنصار معاوية، وإذا حدث العكس وتقدم جيش معاوية فكيف يدخل الكوفة وبقية مناطق العراق ويتعامل مع أهلها، وليس له محبون بها، والتناقض بين المنطقتين، العراق والشام، سابق على وجود على ومعاوية، ويسبق ظهور الإسلام، العراق مجاور لبلاد فارس وتأثر بحضارتها الساسانية وكان تحت تأثيرها وحكمها، وثمة علاقات مؤكدة للفرس ببعض شيوخ ورموز تلك المنطقة، باختصار الهوى الفارسى كان هناك، أما منطقة الشام فكانت رومانية خالصة، وكان بها هرقل، والصراع بين الفرس والروم لم يتوقف، وكان أبوسفيان والد معاوية على علاقة جيدة بقادة الروم ومعروفا لديهم وكان موضع ثقتهم، وحين ظهر النبى فى الجزيرة راح الرومان يتقصون عنه ويتحرون، فسألوا أبا سفيان وأفادهم، ولذا حين تم فتح الشام اختير ابن أبى سفيان يزيد والياً عليها، ثم استُبدل بعد ذلك بمعاوية، باختصار الصلة السفيانية الشامية قديمة، ولا يمكن الادعاء بأن الإسلام أزال كل رواسب وبقايا ما قبله، سواء على مستوى المجتمعات أو الأفراد، جاء صراع على ومعاوية ليؤجج الرواسب القوية ويحييها.

غير ذلك فإن موقف على ومعاوية بات مجروحا ومهتزاً أكثر، خلافة على منقوصة، ليس فقط لأن شخصيات عظيمة بالمدينة المنورة فى وزن السيدة عائشة لم تبايعه ولكن لأن بيعة الأمصار لم تصله كاملة، الشام لم يبايع ومصر مترددة، وهذا لم يحدث لأى خليفة من قبله، فى حالة أبى بكر كان هناك أفراد تباطأوا فى البيعة، لكن لم يجاهروا بالرفض، ناهيك عن أن يرفعوا السلاح عليه، وهكذا مضى الأمر بسلام معه ثم مع عمر ومن بعده عثمان، أما فى حالة على فالأمر جد مختلف، لذا فإن خلافته- فعليا- لم تتحقق، خاصة أن أنصار معاوية باتوا ينادونه بـ«يا أمير المؤمنين»، وهذا لم يحدث من قبل، كان معاوية يصيبه الرعب من اسم عمر بن الخطاب، ثم إن علياً ترك مقره ومقر الخلافة، المدينة، بكل رمزيتها وكل الشخصيات الكبيرة المؤثرة بها، وخرج بنفسه على رأس الجيش، فى سابقة لم تقع من الخلفاء قبله، وأظن أن هذا زاد موقفه ضعفا على ضعف، وصار بالنسبة للكثيرين طالب الإمارة والخلافة، بينما يجب أن تسعى إليه، كما حدث مع سابقيه.

ولم يكن معاوية أفضل حالاً، فلم يصله قرار تجديد الولاية بعد مقتل عثمان، وهكذا فإن شرعيته مفقودة وظل يحكم بقوة الأمر الواقع، خاصة أن علياً بادر فور أن بايعه قادة الشغب على عثمان ورؤوس الفتنة بعزل معاوية وتولية غيره، ورفض معاوية التنفيذ، ولذا صار من الناحية النظرية معزولاً وفاقداً الشرعية ومتمرداً على الدولة وحاكمها الجديد، ثم تطورت الأمور ونشبت الحرب وبات واضحا أنه غير قادر هو وجند الشام على حسمها.. ومن ثم فإن اللجوء إلى التحكيم كان هو الحل، وتعمل ألاعيب السياسة.. وأتصور أن كل طرف كان مقتنعا بذلك، وتم إخراجها على هذا النحو من تيار مشترك بين الجيشين، وهم من سيصبحون- فيما بعد- «الخوارج»، وكان على قلقا من التحكيم ليس للتحكيم ذاته ولكن من اضطراب المحيطين به، كانوا على درجة عالية من التدين، لكنهم يقولون له: «إن لنا فى كل أمر رأياً، فما أتاك فأطلعنا عليه، حتى نشير عليك»، أما المحيطون بمعاوية فيقولون له: «إنما علينا السمع والطاعة»، باختصار كان المحيطون بمعاوية فريقين: الأتباع والطامعين أو أصحاب الصفقات، وبينهم أحد إخوة على بن أبى طالب نفسه، ذهب يطلب مالا من أخيه فاستمهله شهوراً حتى يأتى الموعد المقرر، فذهب إلى معاوية من فوره فأعطاه فوق ما طلب، ومثل عمرو الذى كان طامعا فى أن يعود ثانية إلى مصر ويبقى عليها مدى الحياة، فتعهد له بذلك.

أما المحيطون بعلى فهم بين محب بحق ويرى فيه امتداد الدوحة النبوية، وبين حاسد غيور يترقب الموقف، وينتظر أين ترسو الموجة؟ هؤلاء ذهبوا فيما بعد إلى معاوية وراحوا يهاجمون علياً وينتقدونه بقسوة. وفئة أخرى يرون أنهم أنداد له، وأن قرابته من النبى وسابقته لا تمنحه أى أفضلية أو ميزة، فالإسلام عندهم يجبّ كل شىء عداه، سيصبح شعار هؤلاء فيما بعد: لا أفضلية لآل البيت ولا مزية للقرشيين عموماً، ولا يصح تقسيم المسلمين إلى مهاجرين وأنصار وطلقاء.

وكان استمرار الحرب يعنى استنزافا أكثر للطرفين، والحق أن الخاسر الأكبر لو استمرت هو معاوية، «على» لم يكن يمل من القتال لأنه فى حالة «جهاد»، أما الطرف الآخر فهو ينتظر الثمرة وأعد لها وجهز، وحدد الغنائم، كما وزع المناصب والأعطيات قبل أن يبدأ.

ودخل المحكّمان، أبوموسى الأشعرى وعمرو بن العاص، وكان على يخشى المكيدة ولا يريدها، طلب منه ابن عمه عبدالله بن عباس أن يمثله فى التحكيم فرفض على خشية من مكائده ومكائد عمرو، وفرض عليه المحيطون به أبا موسى.. ويرصد ابن قتيبة، فى الإمامة والسياسة، النصائح والتوجيهات التى تلقاها أبوموسى من قادة على ولم يعمل بأى منها، بل قام بالعكس تماما، دخل وهو غير ممانع فى خلع على، وهكذا ضمن «عمرو» نصف الانتصار مقدما، والحق أن هناك آخرين داخل معسكر على كان رأيهم أن يتم خلعه وخلع معاوية ورد الأمر من جديد إلى عموم الناس لاختيار أمير أو خليفة جديد، أما عمرو فدخل بهدف محدد وهو خلع على وإخراجه من المشهد تماما، والإبقاء على معاوية، وتغلب دهاء وفطنة عمرو فى النهاية. وإن شئنا الدقة تغلبت لغة المصلحة والمنفعة على لغة المبادئ والقيم المجردة، وذلك يقتضى مقالاً آخر.

------------------------
الخبر : حين أصبح «التحكيم» ضرورة .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : المصرى اليوم

0 تعليق