منصور الجنادي يكتب: الهوية.. ما بعد جمال حمدان

0 تعليق 90 ارسل طباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

صورة مصر الذهنية فى الداخل والخارج (أى فكرتنا عن أنفسنا وفكرة الآخرين عنا)، هى ـ كأى صورة ـ انعكاس ما للأصل. وبالتالى فصورة مصر الذهنية هى انعكاس للهوية المصرية، بشكل أو بآخر.

Sponsored Links

فما هى تلك الهوية المصرية، وأى فائدة يمكن أن نَجنى من ورائها؟

الموضوع كَبير ومُعقد، ولا يستطيع مقال أو شخص أن يحسمه. ولكن قد تُفيد محاولة النظر قليلًا خارج الصندوق، ومن منظور العلوم الذهنية التكاملية (أنثروبولوجى، علم الأعصاب السيكولوجى، اللغويات والفلسفة):

1. ليس «للهوية» حجم ولا وزن ولا رائحة، أى ليس لها وجود فى الواقع، وإنما هى مجرد لفظ وفكرة يحمياننا من الجنون إن اضطُرِرنا لأن نفهم ونتعامل مع كل شخص وكل أُمَّة على حدة. من نعم الله علينا أنه وهبنا دماغًا يُصنِّف أوتوماتيكيًا ملايين المؤثرات البيئية المحيطة بنا إلى مجموعات قليلة، يسهل فهمها والتعامل معها. فبدلًا من التعامل مع أربعمائة مليون عربى مثلًا، نقول مصريين وسعوديين ولبنانيين، بافتراض أن لكل منهم «هوية» أو شخصية أو ثقافة مختلفة عن الآخر.

عندما ترى شخصًا لأول مرة قد تقول فى سِرَّك على الفور «هذا رجل مُتعلم»، أو «هذا فلاح». هذه ليست بالضرورة حقائق، ولكنها من فعل دماغك الآلى الذى لا يعرف سوى التصنيف، وغالبًا دون وعى منك.

2. أدمغتنا تُصنِّف أوتوماتيكيًا، ولكن ليس عشوائيًا، وإنما وفق ما تعلمنا فى حياتنا. الإنسان البدائى لم يكن يصنف البشر إلى مصريين وألمان، وأحفادنا قد يصنفون هُويِّات البشر وفقًا لامتدادات أدمغتهم الإلكترونية، أو التحسينات الجينية لأجسامهم.

3. إذاً، فتعريف الهوية هو رهن بالمعايير المستخدمة فى التصنيف. استَخدَم جمال حمدان ـ فى عبقرية غير مسبوقة ـ مزيجًا من شتى العلوم فى وصفه لشخصية مصر، ولكن مفهوم «عبقرية المكان» مثلًا أصبحت قيمته اليوم نسبية، فى عالم إقامة السدود الإفريقية، والخطوط الملاحية القطبية.

4. أحد شروط الهُوية هو «التجانس»: هوية شعب ما تفترض نوعًا من التشابه بين أفراد المجتمع. فإن ساد الاختلاف (كشمال وجنوب أيرلندا، أو ليبيا الشرق وليبيا الغرب مثلًا)، فإما تنعدم هوية المجتمع وينقرض، وإما يصبح الاختلاف صفتهم، وجزءاً من هويتهم. وهنا إما أن يكون الاختلاف رحمة وتعددية وتعايشًا وثراء (كالأندلس سابقًا، أوأستراليا حاليًا)، أو تناحرًا وقتالًا (كسوريا، والعراق واليمن).

5. ولكن ماذا نعنى بالتجانس؟ التجانس العِرقى، أم الثقافى، أم تجانس آخر؟

لا تملك كَنَدا أيًّا من عوامل الوحدة التى تعلمناها فى مدارسنا: لا وحدة التاريخ، ولا اللغة، ولا الدين. ومع ذلك فهُويتها أكثر صلابة من هُوية عالمنا العربى فى حالته الراهنة. لماذا؟ لأن لديهم دستورا وقوانين تُحقق العدالة والحريات الشخصية والمساواة بين الجميع، بصرف النظر عن العرق واللغة والدين. إعادة تشكيل الهُوية أصبحت ممكنة فى العصر الحديث.

6. أهم فوائد مفهوم الهوية «الانتماء». كل فَرد هو بحاجة دائمة إلى جماعة ذات هوية محددة المعالم، كمرجعية لتنظيم أفكاره وبلورة فلسفة حياته، فى إطار من القيم والقواعد الأخلاقية. ولكن الجماعة بدورها لا تَفلَح بفلسفة القطيع، وإنما بحرية أفرادها وبتمكينهم من الإبداع المُنتِج.

7. كجميع وجهات النظر والمناهج، فإن وجهة نظر الماركتنج لابد من وضعها أيضًا فى الاعتبار: «الهُوية» ليست مجرد موضوع للمناقشات الأكاديمية، أو المتعة الفكرية، وإنما هى «تَمَركُز» (بوزيشاننج)، أى تغيير وتطوير واعٍ للصورة الذهنية فى عقول الجماهير المستهدفة (خارج وداخل الدولة)، من أجل تحقيق التفرد والتميُّز والتقدم بين الأمم. أو على الأقل من أجل البقاء وتَلافى الاندثار. الحضارات أو الهويات المتناحرة تقضى على نفسها بنفسها. فكما قال المؤرخ الشهير أرنولد توينبى:

«الحضارات لا تندثر بالقتل، ولكن بالانتحار».

------------------------
الخبر : منصور الجنادي يكتب: الهوية.. ما بعد جمال حمدان .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : المصرى اليوم

0 تعليق